فبعد أقل من أسبوعين على أكبر موجة عبور جماعي عرفتها الحدود بين المغرب وإسبانيا، يتحول يوم 15 أغسطس إلى اختبار أمني جديد، مع انتشار دعوات مجهولة المصدر لتكرار ما جرى نهاية يوليو، فيما ترفع الرباط جاهزيتها لمنع العبور وتلاحق المحرضين عليه. وخلف الاستنفار المباشر، لا تزال آثار الأزمة الأولى حاضرة، من حصيلة الضحايا إلى أكثر من ألف قاصر غير مصحوب، وصولاً إلى نشاط شبكات الاتجار بالبشر وتعقيدات إعادة من وصلوا إلى الجانب الإسباني.

قال الناطق الرسمي باسم وزارة الداخلية المغربية رشيد الخلفي، اليوم الأربعاء، إن «السلطات العمومية اتخذت جميع التدابير الضرورية للتصدي لأي محاولة للعبور غير القانوني نحو مدينتي سبتة ومليلية واعتراض كل من يسعى إلى المشاركة فيها».

وأوضح أن الوزارة رصدت تداول «منشورات ورسائل مجهولة المصدر عبر بعض مواقع التواصل الاجتماعي، تحرض على تنظيم محاولات للعبور الجماعي غير القانوني نحو مدينتي سبتة ومليلية»، محذراً من مخاطرها على سلامة الأشخاص، ومشيراً إلى توقيف مجموعة من المشتبه في قيامهم بأعمال تحريضية وإحالتهم إلى الجهات القضائية المختصة.

لكن اللافت في الموقف المغربي أنه لا يحصر الاستنفار في 15 أغسطس. فالخلفي أكد أن الجاهزية الأمنية «ليست مرتبطة بموعد معين، وإنما تندرج ضمن منظومة يقظة مستمرة»، خصوصاً في المناطق القريبة من المعابر، ويتم تعزيزها وفق تطورات الوضع والمخاطر المسجلة.

وهذا يعني أن الموعد الجديد ليس سوى اختبار لمنظومة تحاول منع تكرار مشهد نهاية يوليو، وليس أزمة منفصلة عنه
ذاكرة يومين

حجم الاستنفار لا يُفهم من دون العودة إلى 30 و31 يوليوالماضي. فوفق أرقام الحكومة الإسبانية، دخل نحو 72 ألف مهاجر إلى سبتة بصورة غير نظامية خلال يومين، قبل عودة نحو 70 ألفاً منهم إلى المغرب.

وكانت الكلفة البشرية هي الأخطر. ووفق «رويترز»، لقي ما لا يقل عن 96 شخصاً حتفهم خلال موجة العبور الجماعي، وهي حصيلة تجعل أي دعوة جديدة لاجتياز الحدود مسألة تتجاوز حسابات الأمن والهجرة إلى خطر مباشر على الأرواح.

وعزت السلطات المغربية ما جرى إلى نشر معلومات مضللة ومغلوطة بشأن حكم قضائي يتعلق بآلية ردع الهجرة غير الشرعية، فيما حملت الحكومة الإسبانية عصابات تهريب البشر مسؤولية تأجيج التدفق.

هذه المرة تحاول الرباط التحرك قبل وصول الحشود إلى الحدود. فقبل ثلاثة أيام من الموعد المتداول، يجري رصد المنشورات وملاحقة المشتبه في التحريض على العبور، بالتوازي مع رفع الجاهزية الأمنية قرب المعابر.

وأشادت الحكومة الإسبانية بتعاون السلطات المغربية في إعادة المهاجرين. وفي خلفية الأزمة، أعادت تصريحات لوزير العدل المغربي عبد اللطيف وهبي بشأن سبتة ومليلية الملف إلى الواجهة، فيما ردت مدريد بالتأكيد أن موقفها من وضع المدينتين غير قابل للنقاش.

القاصرون.. العقدة التي بقيت

تراجع التدفق، لكن أحد أكثر ملفاته حساسية بقي مفتوحاً. فقد أعلنت وزيرة الشباب والطفولة الإسبانية سيرا ريغو تسجيل 1342 قاصراً غير مصحوب في سبتة عقب أحداث نهاية يوليو، وقالت إن مدريد ستقيّم عرض المغرب بإعادة القاصرين على أساس كل حالة على حدة.

وفي المقابل، دعت وزارة الداخلية المغربية السلطات الإسبانية إلى «العمل على تسريع إجراءات إعادة القاصرين غير المرفوقين الموجودين بمدينة سبتة إلى أسرهم بالمغرب».

ويذهب وزير العدل المغربي عبد اللطيف وهبي أبعد من ذلك، إذ قال في مقابلة مع «دويتشه فيله» عربية إن المغرب يطالب بإعادة القاصرين، وإن مسؤولية بلاده الأخلاقية والقانونية تجاههم تستوجب عودتهم إلى أسرهم، منتقداً الطريقة التي يتعامل بها الجانب الإسباني مع الملف.

وأشار وهبي إلى معلومات عن دفع عائلات مبالغ مالية لنقل أطفالها من سبتة إلى مدريد، مؤكداً أن السلطات المغربية تجري أبحاثاً جنائية بشأن هذه الممارسات.

وتكشف هذه المعطيات تعقيد ملف القاصرين، بين إجراءات قانونية إسبانية تحكم إعادتهم، وعائلات تنتظر عودتهم، ومخاوف من وقوع بعضهم في أيدي شبكات الاستغلال.

شبكات تستثمر في الهشاشة

هذه المخاوف اكتسبت بعداً إضافياً مع إعلان الشرطة الإسبانية، الثلاثاء، تفكيك شبكة متهمة بتجنيد مهاجرات قاصرات ونقلهن من مراكز للرعاية في جزيرة غران كناريا إلى البر الإسباني وفرنسا باستخدام هويات أو وثائق سفر مزورة.

وقالت الشرطة إن بعض الفتيات يُعتقد أنهن تعرضن للاستغلال الجنسي، وإنها أوقفت خمسة أشخاص، بينهم قاصر، وأنقذت ضحيتين وحالت دون مغادرة أربع قاصرات أخريات الجزر.

ولا ترتبط الشبكة مباشرة بأحداث سبتة، لكن القضية تكشف جانباً من المخاطر التي يمكن أن يواجهها القاصرون في مسارات الهجرة غير النظامية. وكانت منظمات إغاثة حذرت من أن القاصرين الموجودين في سبتة، وبينهم من ينامون في العراء، معرضون للإساءة والاستغلال.

ما بعد 15 أغسطس

لا تكمن أهمية 15 أغسطس في الموعد نفسه بقدر ما تكمن في ما سيحدث عند الحدود: هل تبقى الدعوات المتداولة على منصات التواصل مجرد دعوات، أم تتحول إلى محاولة جماعية جديدة بعد أقل من أسبوعين على أحداث يوليو؟

الرباط تحاول هذه المرة استباق التحرك بملاحقة المحرضين ورفع الجاهزية، فيما لا تزال مدريد تتعامل مع تداعيات الموجة السابقة، وفي مقدمتها 1342 قاصراً غير مصحوب. وفي الخلفية، تكشف قضايا الاتجار بالبشر أن مخاطر الهجرة لا تنتهي بمجرد اجتياز الحدود.