لم تعد الأرقام القياسية لدرجات الحراة التي تشهدها أوروبا القصة الأهم، إذ بدأ أثر موجة الحر يمتد من موازين الحرارة إلى محطات الكهرباء والموانئ النهرية وسلاسل الإمداد، فقد بُنيت محطات التوليد الحرارية والنووية في أوروبا على افتراض واحد: أن الأنهار لا تنضب.

وهذا الافتراض يُختبر هذا الصيف، فالمحطات المعتمدة على التبريد النهري تحتاج إلى كميات كبيرة من المياه لتبريد أنظمتها، ومع انخفاض المناسيب وارتفاع حرارة الأنهار، تقل كفاءة التبريد، فيما تُجبر القواعد البيئية المشغلين على خفض الإنتاج لحماية الأنظمة المائية، والنتيجة أن إنتاج الكهرباء يتراجع في الوقت نفسه، الذي يبلغ فيه الطلب على التكييف ذروته.

مدن تحت الإنذار الأحمر

لكن أثر الحرارة لم يتوقف عند المفاعلات، ففي إيطاليا وُضعت مدن رئيسية تحت الإنذار الأحمر مع اقتراب الحرارة من 40 درجة مئوية، ما دفع الفاتيكان إلى نقل المقابلة العامة الأسبوعية للبابا لاون الرابع عشر إلى داخل القاعة، وفي مولدوفا دعت الرئيسة مايا ساندو إلى ترشيد استهلاك الكهرباء والمياه مع توقع وصول الحرارة إلى 38 درجة مئوية، بينما تواصلت حرائق الغابات في جنوب ألبانيا، وبقيت فرق الإطفاء اليونانية في حالة تأهب شمال غربي أثينا مع استمرار الحرارة والرياح.

المجر كانت النموذج الأوضح، فمحطة باكس النووية، الوحيدة في البلاد، تعتمد على مياه الدانوب مباشرة في تبريد مفاعلاتها الأربعة.

وذكرت وكالة «أسوشيتد برس» أن منسوب النهر في بودابست هبط إلى نحو 10 سنتيمترات، مقابل 33 سنتيمتراً في الرقم القياسي السابق عام 2018، فيما تراجع إنتاج المحطة إلى نحو 240 ميغاواط بدلاً من قرابة 2000 ميغاواط.

وأفادت «أرغوس ميديا» بأن انخفاضاً إضافياً في منسوب المياه قد يوقف آخر وحدة عاملة، فيما بلغ سعر الكهرباء الفوري في المجر 186.90 يورو للميغاواط/ساعة، بعدما أنهى عقد الأسبوع الثاني والثلاثين التداول عند 270 يورو في 31 يوليو.

ولم تكن المجر وحدها، ففي رومانيا أوقفت شركة «نوكليارإلكتريكا» الحكومية أحد مفاعلي محطة تشيرنافودا، بينما أعلنت محطة كرشكو السلوفينية خفض إنتاجها إلى نحو 80 في المئة، بسبب ارتفاع حرارة المياه وانخفاض تدفق نهر السافا.

الكهرباء والصناعة والنقل

وانتقل الأثر من الكهرباء إلى الصناعة والنقل، فقد أفادت وكالة الصحافة الفرنسية بأن شركات كبرى، بينها «تيسنكروب» و«بي إيه إس إف»، لجأت إلى سفن ضحلة الغاطس بعد انخفاض منسوب نهر الراين، وأنه كان مقرراً أن يعقد وزير النقل الألماني، شتيفن بيلغر، اجتماعاً مع شركات الشحن والموانئ لبحث سبل مواجهة الأزمة، بعدما تجاوزت أسعار الشحن النهري الرقم القياسي السابق البالغ 130 يورو للطن المسجل في أغسطس 2022.

وليس هذا السيناريو جديداً، فوفق معهد «كيل» للاقتصاد العالمي، أدى انخفاض مناسيب «الراين» عام 2018 إلى تراجع الإنتاج الصناعي الألماني بنسبة 1.5 في المئة، والناتج المحلي الإجمالي 0.4 في المئة.

ويؤكد كبير خبراء الاقتصاد الكلي في «آي إن جي» كارستن بريتسكي أن الراين ليس مجرد وسيلة نقل، بل جزء أساسي من البنية الصناعية الألمانية.

وامتد الجفاف إلى الحقول أيضاً، فقد خلص تحليل نشرته وحدة الاستخبارات المتعلقة بالطاقة والمناخ البريطانية إلى أن محصول الحبوب البريطاني يتجه ليكون الأسوأ منذ بدء السجلات المقارنة عام 1984، مع خسائر قد تصل إلى 2.5 مليون طن، ونحو 390 مليون جنيه استرليني من إيرادات المزارعين.

وعلى بعد آلاف الكيلو مترات، كانت كوريا الجنوبية تواجه الوجه الآخر للظاهرة نفسها، فقد ترأس الرئيس لي جاي ميونغ، أمس، اجتماعاً طارئاً لإدارة الكوارث، وأمر بتعبئة أجهزة الدولة لمواجهة الحر والجفاف، قائلاً، وفق رويترز، إن البلاد تواجه «حرارة شديدة على نطاق لم نختبره من قبل».

وتحدثت التقارير الرسمية عن أكثر من 20 وفاة مرتبطة بالحر حتى أول من أمس، بينما توقعت هيئة الأرصاد وصول الحرارة في سيئول إلى 39 درجة مئوية، بعد أن سجلت مدينة يانغسان، الأحد 2 أغسطس، 42.5 درجة، وهو أعلى رقم منذ بدء الرصد المناخي عام 1904.

وتحذر الوكالة الدولية للطاقة الذرية من أن موجات الحر والجفاف ستزيد الضغوط على المحطات النووية ما لم تُطوَّر أنظمة التبريد، وتُوفَّر مصادر مياه بديلة، كما ترى «يوريلكتريك» أن موجات الحر تضغط على المنظومة الكهربائية من جهات عدة في الوقت نفسه، إذ تخفض إنتاج المحطات وترفع الطلب على الكهرباء.

أوروبا لا تواجه مجرد صيف أكثر حرارة، بل تواجه اختباراً لبنية تحتية صُممت لمناخ مختلف، ولم يعد التكيف مع تغير المناخ استثماراً للمستقبل، بل كلفة تدفعها القارة اليوم في الكهرباء والنقل والغذاء.