شيء غريب حدث.. حين كانت طائرة تابعة لسلاح الجو الملكي تقل وزير الدفاع البريطاني جون هيلي، تحلّق فوق إستونيا الأسبوع الماضي. بدأ جهاز الإرسال والاستقبال الخاص بالطائرة فجأة بالإبلاغ عن وجودها في عمق الأراضي الروسية، على بُعد 300 كيلومتر من الموقع الذي كانت فيه قبل ثوانٍ.

يقول تقرير لشبكة «بي بي سي» إنه وفقاً لبيانات الرحلة، وجهاز الإرسال والاستقبال، كان من المفترض أن الطائرة تسافر بسرعة 11 كيلومتراً في الساعة فقط، فوق بحيرة بالقرب من مدينة سانت بطرسبرغ. لكن أياً من هذا لم يكن حقيقياً، بل إن تعطل نظام الملاحة في الطائرة، كان نتيجة تزييف إشارات نظام تحديد المواقع العالمي «جي بي إس».

صحيفة «تايمز» البريطانية أفادت بأن طائرة هيلي فقدت إشارة نظام «جي بي إس» أثناء التحليق بالقرب من الحدود الروسية. وكان مراسل الصحيفة على متن الطائرة مع مسؤول بريطاني والمستشارين العسكريين بعدما زاروا موقعاً للقوات البريطانية في إستونيا.

حادث

وأشار إلى أن الحادث وقع يوم 21 مايو  الماضي أثناء عودة الطائرة إلى بريطانيا.ولم تخرج الصحيفة بأي استنتاجات بشأن سبب فقدان الإشارة، وما إذا كان نتيجة للتشويش المتعمد. لكن صحيفة «ديلي ميل» نقلت عن مصدر دفاعي قوله إن هذا الفعل «هجوم روسي»،

وقالت إن هذه ليست أول مرة تشوّش فيها موسكو على إشارات الطائرات البريطانية، إذ سبق لها أن قامت بتشويش نظام «جي بي إس» لطائرة كانت تقل وزير الدفاع السابق غرانت شابس عام 2024.

فرص التنبؤنظام جي بي إس لتحديد المواقع قد يساعد على تحسين فرص التنبؤ بتسونامي. يحدث هذا عندما تُغمر منطقة ما بإشارات لاسلكية، تُحاكي تلك المرسلة بواسطة الأقمار الصناعية لـ«جي بي إس» ونظراً لأن إشارات الأقمار الصناعية تكون ضعيفة نسبياً عند وصولها إلى الأرض، يُمكن لجهاز إرسال أرضي بث إشارات مُزيفة أقوى، ما يتيح لأنظمة الملاحة، بما فيها أنظمة الطائرات، التقاطها.غالباً ما تنفذ الجيوش عمليات التزييف، بهدف تقليل دقة أسلحة العدو التي تستخدم نظام جي بي إس، مثل الصواريخ بعيدة المدى والطائرات المسيّرة الصغيرة.

جيوش

ويمتلك العديد من الجيوش وحدات مخصصة لبناء أجهزة الإرسال في قواعد ثابتة، أو نقلها بواسطة مركبات.

تنقل الشبكة عن وزارة الدفاع البريطانية أن طياري سلاح الجو الملكي اضطروا إلى توجيه الطائرة، باستخدام نظام ملاحة قديم وأقل دقة، يعمل بالتوازي مع نظام جي بي إس، وأضافت أن سلامة الطائرة لم تتعرض للخطر.في الواقع، لم تكن الطائرة الوحيدة في المنطقة التي تأثرت في ذلك اليوم.

وتُظهر بيانات، نقلتها شركة «سكاي» للاستشارات في مجال الطيران لـ«بي بي سي»، أن أكثر من 100 طائرة ركاب كانت تبث مواقع خاطئة نتيجة لعمليات التزييف والتشويش، وهما يشكلان نوعاً آخر من التدخل الذي يُخفي إشارات الأقمار الصناعية، لتعطيل نظام جي بي إس ينتشران على نطاق واسع في المناطق القريبة من مناطق النزاع.

أرقام

وتُظهر أرقام شركة «سكاي» للاستشارات في مجال الطيران أن حالات التزييف في منطقة البلطيق ارتفعت، من 17243 حالة عام 2024 إلى 59447 حالة في 2025. وتزامن هذا مع تزايد استخدام غارات الطائرات المسيّرة في الحرب الروسية الأوكرانية.كما شهد العديد من الطرق الجوية المزدحمة الأخرى في أوروبا والشرق الأوسط وآسيا عمليات تزييف أو تشويش، حيث تأثر ما يزيد على 800 رحلة جوية يومياً في المتوسط حول العالم هذا العام

هذه هي المشكلة التي واجهها الطيار البريطاني سام رذرفورد، عندما كان يقود طائرة ذات أربعة مقاعد من السعودية إلى عُمان الشهر الماضي، حيث توقف نظاما الملاحة والطيار الآلي في الطائرة عن العمل.

في البداية، ظنّ أن المشكلة في الطائرة نفسها، لكن العديد من شركات الطيران في المنطقة نفسها أبلغت عن المشكلة ذاتها. واتضح أن كلاً من تزييف إشارات جي بي إس والتشويش كانا يؤثران في طائرته.استخدم رذرفورد، الذي أمضى ثماني سنوات في قيادة طائرات الهليكوبتر في الجيش البريطاني، البوصلة المغناطيسية لطائرته واتصل بمراقبة الحركة الجوية، طلباً للمساعدة على توجيهه إلى وجهته. هبط بسلام،

لكنه يقول: «لو كنت في طقس سيئ مع وقود أقل ليلاً، لكان الوضع مختلفاً تماماً».تقول تانيا هارتر، رئيسة الرابطة الأوروبية لقمرة القيادة، التي تمثل حوالي 40 ألف طيار، إن أحد مخاطر التلاعب بشبكة الملاحة هو أنه إذا انخدعت الطائرة واعتقدت أنها في موقع مختلف، فقد يضطر الطيارون إلى إيقاف تشغيل أنظمة التحذير من الاصطدام الأرضي، أو تجاهلها.

هذا النظام يحذّر الطيارين عندما يعتقد أنهم على وشك الاصطدام بالأرض أو بعوائق كالجبال.يصف الطيار أرتور روديونوف تجربته مع تزييف إشارات جي بي إس، قائلاً إن «القفزة من ليتوانيا إلى بحر الشمال» كانت أكبر اختلاف رآه على الإطلاق بين الواقع والموقع المعروض أمامه على الشاشة.

 التشويش

يقول روديونوف، الذي يقود طائرات ركاب صغيرة لصالح شركة تأجير الرحلات الإستونية «دايموند سكاي أفييشن» إنه استجابة لهذه الحوادث «المتكررة»، طورت شركته بروتوكولات للتعامل مع التشويش، بما في ذلك قيام الطيارين بفصل نظام جي بي إس عند التحليق في مناطق معروفة بتداخل الإشارات.

ويستطيع الطيار حينها مراقبة ما إذا كانت إشارات الطائرة تتعرض للتزييف، ما يمنع أجهزة الملاحة الأخرى في الطائرة من التشويش.ليس ضد القانون!

ولا يعد التشويش على نظام «جي بي إس» مخالفاً للقانون، حيث يسمح الاتحاد الدولي للاتصالات، التابع للأمم المتحدة والمسؤول عن تنظيم إشارات البث، باستخدام هذه التقنية لأغراض أمنية أو دفاعية، إلا أنه أعرب عن «مخاوف بالغة» من أن استخدامها على نطاق واسع يُهدد سلامة الطائرات.ويرى خبراء أن هناك حاجة ملحّة لإيجاد حل لهذه المشكلة، أكثر مما يُكشف عنه علناً. ويقول تود همفريز، أستاذ هندسة الطيران والفضاء بجامعة تكساس: «تطالب شركات الطيران بإجراء تحسينات». ويضيف: «يعتمد قطاع الطيران على تقنية نظام جي بي إس التي يزيد عمرها على عشرين عاماً»، مؤكداً حاجة القطاع إلى «أجهزة استقبال جي بي إس مقاوِمة للتشويش والتزييف».

الحلول 

تشمل الحلول المُحتملة تحديث برمجيات الطائرات لتصفية التداخل، واستخدام هوائيات مُوجّهة تمكّن الأجهزة من تجاهل الإشارات الخاطئة القادمة من الأرض، وأنظمة ملاحة جديدة كلياً للعمل جنباً إلى جنب مع نظام «جي بي إس». لكن إدخال تغييرات على المعدات الرئيسة للسلامة قد يستغرق وقتاً.

ويشير همفريز إلى أن التشويش والتزييف على «جي بي إس» لا يقتصران على الطائرات التجارية فحسب، بل يؤثران أيضاً في السفن وحتى تطبيقات الخرائط على الهواتف. ويقول: «إنها تؤثر أيضاً في حركة الملاحة البحرية، وحركة السيارات على الطرق».ويختتم قائلاً: «في أي وقت يندلع خلاله صراعٌ في المستقبل، يمكنك أن تتوقع أن يكون نظام جي بي إس من أوائل المتضررين».