وفّرت حرب إيران مناسبة جديدة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب للتعبير عن مواقفه السلبية تجاه حلف الناتو، حيث اتهمه بعدم المساعدة وعدم الجدوى، ثم قرر سحب 5000 جندي من ألمانيا العضو والحلف، ما أثار مخاوف أمنية في القارة الأوروبية التي ترى في روسيا تهديداً.

وفي مؤتمر صحفي في بروكسل عقب اجتماع رؤساء أركان دول الحلف، دعا رئيس اللجنة العسكرية في الحلف الأميرال جوزيبي كافو دراغوني، إلى مضاعفة الجهود المتعلقة بالاستثمارات الدفاعية وتسريع تطوير القدرات العسكرية، في حين اعتبر الجنرال الأمريكي أليكسوس غرينكويتش، القائد الأعلى لقوات الحلف في أوروبا أن قرار ترامب لا يضر بدفاعات الحلف.

وقلّلت الدول الأوروبية الأعضاء في الناتو من أهمية تأثير الانسحاب الأمريكي، إلا أن الطريقة المفاجئة للإعلان عززت المخاوف بشأن التزام ترامب في إطار الحلف.

خطوة محدودة

ويبدو القرار الأمريكي، في ظاهره، خطوة عسكرية محدودة لا تمس جوهر منظومة الدفاع الأطلسية، وفق ما حاول القائد الأعلى لقوات الحلف في أوروبا الجنرال أليكسوس غرينكويتش تأكيده من بروكسل حين قال أمس إن «الخطط الإقليمية للحلف لن تتأثر»، وإن أوروبا باتت قادرة تدريجياً على تحمل عبء أكبر من الدفاع الجماعي.

وأضاف «في وقت يعزز الحلفاء قدراتهم، تستطيع الولايات المتحدة سحب بعض قدراتها واستخدامها في أولويات أخرى على مستوى العالم، لذا أنا مطمئن جداً الى وضعنا الراهن».

وسبق لإدارة ترامب أن أبلغت الدول الأوروبية أن الولايات المتحدة تسعى لسحب قواتها لتركيز جهودها على تهديدات أخرى حول العالم.

قرار مفاجئ

القلق الأوروبي تفاقم بسبب طريقة الإعلان عن الانسحاب، والتي وُصفت داخل بعض الأوساط الغربية بأنها «فجائية» وافتقرت للتنسيق السياسي التقليدي داخل الحلف. حتى بولندا، التي تعد من أكثر الدول الأوروبية قرباً من واشنطن، فوجئت بقرارات أمريكية أخرى تتعلق بإعادة توزيع القوات، ما أثار انتقادات داخل الكونغرس الأمريكي نفسه.

لكن القرار الأمريكي جاء في توقيت حساس، بعد توتر واضح بين ترامب والمستشار الألماني فريدريش ميرتس على خلفية الحرب مع إيران، وهو ما أعطى الانسحاب بُعداً سياسياً يتجاوز الحسابات العسكرية البحتة، حيث ربطت تقارير أمريكية وأوروبية الخطوة مباشرة بغضب ترامب من المواقف الأوروبية المتحفظة تجاه الحرب، خصوصاً التصريحات الألمانية التي اعتبرت أن واشنطن تفتقر إلى «استراتيجية خروج» واضحة.

 احتواء القلق

قيادة «الناتو» حاولت احتواء القلق الأوروبي، لكنّ عدداً من الخبراء رأوا أن المسألة لا تتعلق بعدد الجنود بقدر ما تتعلق بالبعد السياسي. الباحث الألماني ثورستن بينر اعتبر أن الانسحاب «رمزي» أكثر منه عسكرياً، لكنه أشار إلى أن الخطر الحقيقي يكمن في التآكل المتسارع للعلاقة عبر الأطلسي، مضيفاً أن أوروبا تواجه اليوم مشكلة أعمق من مجرد خفض قوات، تتمثل في اهتزاز الثقة بالالتزام الأمريكي طويل الأمد تجاه أمن القارة.

الاستقلال الاستراتيجي

وثمة نقاشات أوروبية متصاعدة منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض حول مفهوم «الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي». ففي بروكسل وبرلين وباريس، لم يعد السؤال: هل يمكن لأوروبا أن تدافع عن نفسها؟ بل: متى تضطر لذلك؟ ولهذا بدأت دوائر أوروبية دراسة سيناريوهات لـ«ناتو أوروبي» يعتمد على البنية الحالية للحلف، لكن بقيادة وقدرات أوروبية كبرى، تحسباً لأي تقليص أمريكي أوسع مستقبلاً.

الأمين العام لحلف الناتو مارك روته حاول التقليل من خطورة تدهور علاقة أوروبا مع أمريكا، معتبراً أن أوروبا فهمت الرسالة الأمريكية بشأن ضرورة زيادة الإنفاق الدفاعي، وهو ما يفسر الاندفاع الأوروبي غير المسبوق نحو التسلح خلال العامين الأخيرين. دول مثل ألمانيا وبولندا ودول البلطيق رفعت موازناتها الدفاعية بشكل حاد، في حين يناقش الاتحاد الأوروبي مشاريع تمويل عسكري ضخمة لتعزيز الصناعة الدفاعية الأوروبية وتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة.

الإرتهان العسكري

لكن المفارقة تكمن في أن حرب إيران، التي فجرت الخلاف الحالي، دفعت الأوروبيين إلى مزيد من الارتهان العسكري للولايات المتحدة، وليس العكس. الأوروبيون يدركون أن أي انفجار واسع في الشرق الأوسط سيؤثر مباشرة في الطاقة والملاحة والاقتصاد الأوروبي، في حين أنهم لا يملكون حتى الآن القدرة على إدارة أزمة إقليمية كبرى منفردين.

ولا يبدو أن انسحاب خمسة آلاف جندي سيغيّر ميزان القوى العسكري في أوروبا على نحو فوري، إذ إن القوات الأمريكية المنتشرة في القارة ما زالت كبيرة، وتضم قواعد استراتيجية ومراكز قيادة رئيسة، لكن، سياسياً، تعكس الخطوة اتجاهاً متنامياً رسمته إدارة ترامب لإعادة تعريف العلاقة مع أوروبا من «حماية مجانية» إلى «شراكة مشروطة»، وهذا التحول قد يكون أخطر على المدى الطويل من أي تقليص عددي للقوات. لذلك، يرى محللون أوروبيون أن ترامب لا يهدد «الناتو» بالضرورة بقدر ما يعيد تشكيله وفق رؤيته التي تقضي بأن تكون أوروبا مطالبة بأن تدفع أكثر وتتسلح أكثر وتتحمل كلفة أمنها بنفسها، في حين تحتفظ واشنطن بدور «الضامن النهائي».

ويبقى السؤال قائماً حول قدرة أوروبا على مغادرة المظلة الأمريكية والتحول إلى قوة عسكرية مستقلة، قبل أن يتراجع الالتزام الأمريكي بصورة كبرى.