وسط عالم يموج بأزمات وقضايا شائكة تلاحقت على مدى عقود، تعقدت فيها خيوط الصراع بين القوى الكبرى، تبرز مدينة جنيف السويسرية الغافية على ضفاف بحيرة ليمان الشهيرة، كـ"محجٍّ" دبلوماسي لا يتوقف محركه عن الدوران. ففي "حي الحوكمة العالمي"، تُصاغ الاتفاقيات التي تحدد ملامح الأمن والصحة والتجارة لسكان الكوكب، وتتحول ردهات "قصر الأمم" إلى مسرحٍ لرهانات كبرى تبحث عن مخرج لأكثر الصراعات تعقيداً.
تستند مكانة جنيف كمركز دبلوماسي رائد عالمياً إلى حضور فريد للمؤسسات متعددة الأطراف، وإطار عمل متطور للدولة المضيفة، وسمعة تاريخية راسخة في الحياد وتقديم المساعي الحميدة بخصوصية تامة. والنتيجة مدينة مهيأة تماماً لـ "دبلوماسية الأزمات" رفيعة المستوى، ولعمليات صياغة المعاهدات التقنية المعقدة.
تجمع "جنيف الدولية" بين منظومة مؤسسية دولية كثيفة تضم نحو 43 منظمة دولية، و184 تمثيلاً لدول العالم، ومئات المنظمات غير الحكومية، وبين أحد أكثر محركات المؤتمرات نشاطاً في العالم داخل مجمع الأمم المتحدة، ما يسهل على المفاوضين كل الأمور اللوجيستية من ضيافة للوفود، إلى الأمانات العامة، والمترجمين، والخبراء، ووسائل الإعلام.
في السياق، تبرز سياسة الحياد السويسرية المعززة بنظام قانوني مقنن للدولة المضيفة (يشمل الامتيازات والحصانات وقواعد الإقامة)، ما يقلل من الاحتكاك السياسي للأطراف الساعية لبيئة "غير منحازة"، ويوفر حماية قانونية ولوجستية للمنظمات الدولية.
كانت المدينة مسرحاً لطيف واسع من المفاوضات؛ من محادثات الحرب والسلم (ليبيا، سوريا، أوكرانيا، إيران) إلى القمم الكبرى (بايدن-بوتين 2021) والاتفاقات التنظيمية العالمية (اتفاقية الجائحة ومنظمة التجارة العالمية) في 2025. ورغم هذه القوة، تواجه جنيف تحديات بنيوية؛ حيث يمكن للمنتديات القائمة على "التوافق" أن تصل لمأزق (خاصة في ملفات نزع السلاح)، كما أن حياد سويسرا قد يتعرض للتشكيك في نظر القوى الكبرى خصوصاً.
واشنطن وطهران
لم يكن منتصف فبراير من عامنا هذا مجرد أيام عادية في الرزنامة الدبلوماسية لجنيف؛ فقد شهدت المدينة تحركات مكثفة خلف الأبواب الموصدة في ملف النووي الإيراني. وفي السابع عشر من فبراير 2026، احتضنت إحدى القاعات السرية جولة رفيعة المستوى بين الولايات المتحدة وإيران، بوساطة عُمانية نشطة.
نتائج تلك اللقاءات كانت التوصل لـ "تفاهم حول مبادئ توجيهية"، مع اتفاق على استئناف تلك المفاوضات، وهو ما يجري لحظة كتابة هذه السطور، في سباق مع الزمن لنزع فتيل حرب قد لا تحمد عقباها، لكن ما يهمنا هنا أن اختيار جنيف لهذا الحوار الحساس يؤكد مجدداً على فاعلية "المساعي الحميدة" التي تمنح الأطراف المتصارعة بيئة تقنية وقانونية بعيدة عن ضجيج الاستقطاب السياسي المباشر.
أوكرانيا وروسيا
بالتزامن مع الملف الإيراني، تحولت فنادق جنيف الكبرى في يومي 17 و18 فبراير 2026 إلى خلايا عمل دبلوماسية استضافت محادثات سلام "أوكرانية-روسية" برعاية ووساطة أمريكية مباشرة. ورغم أن التوقعات كانت محكومة بواقع الميدان الصعب، إلا أن استمرارية هذه الجولات في جنيف تعكس رغبة الأطراف في الحفاظ على شعرة معاوية.
تتميز جنيف هنا بقدرتها على دعم "دبلوماسية المكوك" السريعة؛ حيث يمكن للمتوسطين والوفود التنقل بين مسارات تفاوضية مختلفة في يوم واحد، مستفيدين من البنية التحتية اللوجستية التي توفرها الأمم المتحدة، والحماية القانونية التي يمنحها "قانون الدولة المضيفة" السويسري، الذي يحصن الوثائق والاتصالات بخصوصية تامة.
ما وراء الأزمات
لا تقتصر أهمية جنيف على محادثات الحرب والسلم؛ بل تمتد لتشمل القضايا التي تمس حياة البشر اليومية. ففي عام 2025، شهدت المدينة اعتماد "اتفاقية الجائحة" التاريخية تحت مظلة منظمة الصحة العالمية، وهي المعاهدة التي وُلدت بعد مفاوضات عسيرة في "قصر الأمم". كما لا تزال "منظمة التجارة العالمية" في مقرها بـ"مركز ويليام رابارد" تحاول فك شيفرات النزاعات التجارية الكبرى التي تعصف بالاقتصاد العالمي.
ويبرز دور جنيف أيضاً في الملفات البيئية؛ حيث استضافت المدينة في أغسطس 2025 مفاوضات المعاهدة العالمية للبلاستيك، ورغم رفع الجلسات دون إجماع كامل، إلا أن الخبراء يرون أن جنيف تظل المنصة الوحيدة القادرة على جمع 184 تمثيلاً للدول تحت سقف واحد للنقاش حول القواعد التنظيمية العابرة للحدود.
تحديات "الحياد"
بدأ مفهوم "الحياد السويسري" يواجه تساؤلات في ظل الاستقطاب العالمي الحاد؛ حيث تعترض بعض القوى على جنيف كوجهة تفاوضية في حال شعرت بأن السياسة السويسرية تميل نحو معسكر دون آخر، وهو ما يفرض على سويسرا تحدياً دائماً في موازنة مواقفها للحفاظ على "علامتها التجارية" كأرض محايدة للجميع.
مع ذلك، يبقى اختيار الدول لجنيف، مرتكزاً على حاجتها لأربع ركائز لا تتوافر مجتمعة في مكان آخر: الشرعية المؤسسية المستمدة من الأمم المتحدة، اللوجستيات الجاهزة التي تستوعب آلاف الخبراء، القرب من المنظمات الإنسانية لفتح "القنوات الخلفية"، والحياد الذي يخفف من حدة التوتر الرمزي بين الخصوم.
تظل جنيف "صمام أمان"؛ فحتى عندما تفشل المفاوضات في تحقيق اختراقات كبرى، يظل مجرد انعقادها في هذه المدينة دليلاً على أن لغة الحوار لم تمت بعد، وأن هناك دائماً طاولة مستديرة تنتظر الجلوس عليها في قلب سويسرا.
