دأ المستشار الألماني فريدريش ميرتس زيارة رسمية إلى الصين هذا الأسبوع، في خطوة تهدف إلى إعادة ضبط العلاقات مع بكين بعد عام عاصف شهد تدهوراً في تحالف الدول الأوروبية مع الولايات المتحدة، وكشف عن نقاط ضعف حادة في سلاسل التوريد العالمية.

ويقود ميرتس، في أول زيارة له إلى الصين منذ توليه المستشارية، وفداً رفيع المستوى يضم نخبة من كبار قادة الأعمال في ألمانيا، وفي مقدمتهم رؤساء عمالقة صناعة السيارات: "فولكسفاجن"، "بي إم دبليو"، و"مرسيدس بنز".

وتأتي هذه الخطوة في وقت حساس لهذه الشركات التي تواجه ضغوطاً مزدوجة؛ تتمثل في المنافسة الشرسة من شركات السيارات الكهربائية الصينية الصاعدة، والرسوم الجمركية الأمريكية التي كبدتها تكاليف باهظة تُقدر بمليارات الدولارات.

وتكتسب هذه الزيارة، التي تنطلق غداً، أهمية استراتيجية خاصة لكونها تسبق رحلة مقررة لميرتس إلى واشنطن الأسبوع المقبل.

وكان المستشار الألماني قد حذر مؤخراً من أن أوروبا تواجه واقعاً عالمياً جديداً، تحولت فيه التكنولوجيا المتقدمة والمواد الخام وسلاسل التوريد الصناعية إلى "أسلحة" في عصر التنافس المحتدم بين القوى العظمى.

وعلى الرغم من أن الصين ظلت أكبر شريك تجاري لألمانيا خلال العام الماضي، وتجذر المصنعين الألمان في الاقتصاد الصيني لعقود، إلا أن نمط التجارة شهد تحولاً جذرياً في السنوات الخمس الأخيرة.

وتشير البيانات الرسمية إلى أن أوروبا سجلت عجزاً تجارياً هائلاً مع الصين قارب 90 مليار يورو (نحو 106 مليارات دولار) في عام 2025، مما يضع ميرتس أمام مهمة معقدة لموازنة المصالح الاقتصادية مع الضغوط السياسية الدولية.

تأتي زيارة ميرتس قبل أسبوع واحد فقط من لقائه بالرئيس الأمريكي في واشنطن. المصادر الدبلوماسية تشير إلى أن برلين تحاول لعب دور "الوسيط الموثوق"؛ فهي تريد تأمين حصة شركات السيارات الألمانية في السوق الصيني مقابل عدم الانصياع الكامل للضغوط الأمريكية بفرض حظر تكنولوجي شامل على بكين.

خلف كواليس صفقات السيارات، يحمل ميرتس ملفاً شائكاً يتعلق بـ "المعادن النادرة". ألمانيا تعتمد بنسبة تزيد عن 80% على الصين في توريد الليثيوم والكوبالت اللازمين لصناعة البطاريات. الزيارة تهدف لتأمين عقود توريد طويلة الأجل لضمان عدم توقف المصانع الألمانية في حال تصاعد التوتر الجيوسياسي.

الضغط الذي يواجهه رؤساء شركات (فولكسفاجن وبي إم دبليو) في هذه الزيارة ليس بسبب محركات الكهرباء فقط، بل بسبب "البرمجيات".

الشركات الصينية تفوقت في أنظمة القيادة الذاتية والذكاء الاصطناعي داخل المقصورة و  ميرتس يسعى لإقامة "مراكز بحثية مشتركة" لضمان بقاء التكنولوجيا الألمانية منافسة في السوق الآسيوية.

داخلياً، يواجه ميرتس انتقادات من تيارات الخضر في ألمانيا الذين يطالبون بـ "تقليل الاعتماد" (De-risking) على الصين. لذا، فإن ميرتس يركز في خطاباته على مصطلح "الواقعية الاقتصادية" لتبرير اصطحابه لكبار الرأسماليين في رحلته، محاولاً الموازنة بين حقوق الإنسان والمصالح التجارية الضخمة.

العجز التجاري البالغ 90 مليار يورو يعود بشكل رئيسي إلى تدفق الأجهزة الإلكترونية ومعدات الطاقة الشمسية الصينية إلى أوروبا، بينما تراجعت الصادرات الألمانية من الآلات التقليدية. ميرتس سيطالب بكين بفتح الأسواق الصينية أمام "الخدمات المالية" و"المنتجات الطبية" الألمانية لتقليل هذا الفارق الضخم.