التحدي الذي أبداه وزير الخارجية المجري بيتر سيارتو حين أعلن استيراد بلاده كميات ضخمة من الغاز الروسي، يتلاقى مع وصف رئيس الوزراء السلوفاكي روبرت فيتسو التخلي الكامل عن الغاز الروسي بأنه «انتحار»، ولا يمكن قراءة الموقفين كخروج عن الإجماع الأوروبي، بقدر ما يعكسان تصدعاً داخل الاتحاد الأوروبي حول الكلفة الحقيقية لسياسات الطاقة بسبب الموقف من الحرب الأوكرانية.

سيارتو أعلن بأن بلاده استوردت كمية قياسية من الغاز الروسي عام 2025، تبلغ 7.8 مليارات متر مكعب، وتستورد خلال العام الجاري كمية قياسية جديدة تبلغ 22 مليون متر مكعب يومياً. وأوضح: "أود أن أوضح أنه لا يمكن إمداد هنغاريا بالغاز بشكل موثوق دون الاعتماد على خط أنابيب التيار التركي والغاز الروسي الذي ينقله"، مؤكداً أن بلاده بحاجة إلى موارد الطاقة الروسية، وتعتزم المضي قدماً في دعواها القضائية المرفوعة ضد حظر استيراد النفط والغاز من روسيا في الاتحاد الأوروبي.

قبله، وصف رئيس الوزراء السلوفاكي روبرت فيتسو التخلي الكامل عن الغاز الروسي بأنه «انتحار». ومن الواضح أن فيتسو، الذي أعلن صراحة أن الحظر المقرر في 2027 «غبي من الناحية الاقتصادية»، لا يتحدث باسم سلوفاكيا فحسب، بل يستعيد خطاباً سبق أن عبر عنه، بدرجات مختلفة، رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان حين اعتبر أن «الطاقة ليست مسألة أيديولوجية، بل مسألة بقاء اقتصادي»، محذراً من أن أوروبا تعاقب نفسها أكثر مما تضغط على موسكو.

ورغم أن اعتماد أوروبا على النفط الروسي أقل من اعتمادها على الغاز الروسي، إلا أن بيانات مديرية «يوروستات» الأوروبية تشير إلى أن قرار التخلي عن النفط الروسي كبد الاتحاد الأوروبي نحو 300 مليار يورو (نحو 360 مليار دولار) خلال أربع سنوات.

وأظهرت حسابات الوكالة أن روسيا كانت قبل أربع سنوات المورد الأكبر للنفط إلى السوق الأوروبية، حيث كانت تمثل حصتها ربع إجمالي إمدادات النفط إلى الاتحاد الأوروبي، وانخفضت هذه الحصة لتصل إلى 2 في المئة بحلول 2025.

ومع ذلك، فإن هذا التخلي السريع عن النفط الروسي ألقى بظلاله على الميزانية الأوروبية. ووصلت قيمة برميل النفط الواحد الذي استوردته الدول الأوروبية، في الفترة من يناير إلى نوفمبر 2025، إلى نحو 65 يورو مقابل 57 يورو قبل أربع سنوات، وبذلك أصبح الأوروبيون يدفعون 8 يورو (نحو 10 دولارات) إضافية لكل برميل مقارنة بعام 2021.

كما وصلت الخسائر الناجمة عن فوارق الأسعار في نهاية 2025 إلى 22.7 مليار يورو، فيما بلغت خلال الفترة بين عامي 2022 و2024 نحو 259.8 مليار يورو، وبشكل عام، دفع الأوروبيون مبالغ إضافية بلغت 283 مليار يورو منذ بدء فرض العقوبات ضد روسيا.

التيار الذي يحذر من تداعيات التخلي عن النفط الروسي، ويضم دولاً في وسط وشرق أوروبا، ينطلق من معطى واقعي، إذ إن القارة الأوروبية بنت قدرتها الصناعية خلال العقود الماضية على غاز روسي رخيص ومستقر، لا بوصفه خياراً سياسياً، بل كحقيقة جغرافية واقتصادية.

وزير الاقتصاد الألماني السابق روبرت هابيك أقرّ في ذروة أزمة الطاقة عام 2022 بأن بعض الصناعات الألمانية «قد لا تعود أبداً» إذا استمرت أسعار الطاقة عند مستوياتها المرتفعة.

خطأ استراتيجي

في المقابل، ترى المفوضية الأوروبية بقيادة أورسولا فون دير لاين أن الاعتماد على الغاز الروسي كان خطأ استراتيجياً سمح لموسكو باستخدام الطاقة أداة نفوذ سياسي.

وشددت أكثر من مرة على أن كل يورو يُدفع مقابل الغاز يسهم في تعزيز القدرة الروسية على مواصلة الحرب، معتبرة أن فك الارتباط الطاقوي شرط أساسي لما تصفه بروكسل بالاستقلال الاستراتيجي الأوروبي.

هذا المنطق يجد دعماً واضحاً في باريس، حيث دافع الرئيس إيمانويل ماكرون عن قرار تقليص الاعتماد على الطاقة الروسية بوصفه استثماراً طويل الأمد في السيادة الأوروبية، حتى وإن تطلب تضحيات مرحلية. هذا رغم أن ماكرون نفسه اشتكى من أن أمريكا تبيع الغاز لأوروبا بثلاثة أضعاف السعر الروسي.

أما في برلين، فقد مضى المستشار أولاف شولتس في دعم مسار الحظر، معتبراً أن العودة إلى الغاز الروسي ستعيد أوروبا إلى دائرة الابتزاز نفسها.

داخل المعسكر

غير أن التناقض لا يقتصر على الانقسام بين مؤيدين ومعارضين، بل يظهر داخل المعسكر المؤيد ذاته، فقد أقرّ المفوض الأوروبي السابق تييري بريتون بأن الانتقال السريع إلى الغاز المسال والأسواق العالمية يفرض كلفة غير متكافئة بين دول الاتحاد، ويخلق تبعيات جديدة لا تقل حساسية عن التبعية السابقة لموسكو.

وفي هذا السياق، لا يبدو أن تحذير فيتسو يندرج في إطار التمسك باستمرار الاعتماد على روسيا بوصفه خياراً دائماً، بل بوصفه تشكيكاً في قطيعة شاملة تُفرض بجداول زمنية سياسية، في حين البنية التحتية البديلة لا تزال غير مكتملة، والطاقة المتجددة لم تبلغ بعد مستوى التعويض الكامل.

وبين من يرى في الطاقة أداة ضغط سياسي يجب نزعها من يد روسيا، ومن يعتبرها شرطاً بنيوياً لبقاء الصناعة الأوروبية، يبدو أن الصراع داخل الاتحاد لا يقل عمقاً عن خلافات أوروبا مع روسيا.