يعيش الأوروبيون هذه الأيام مرحلة قلق غير مسبوقة بالنسبة لهم مع استمرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على فرض خياراته بالقوة، فهم تسابقوا لمدة عام لمعرفة كيفية التعامل مع رئيس أمريكي أكثر جرأة في ولايته الثانية، لكنّ للصبر حدوداً، حيث تأكدوا من أن الاستمرار في الرضوخ سيفقدهم مكتسبات عديدة.

لذلك فقد ارتأوا مواجهة ترامب بإعلان الطلاق والاستقلالية بتحرير العلاقة من الوصاية الأطلسية، حيث قدّمت أوروبا سلسلة من الرفض لمطالب ترامب، بدءاً من مسألة غرينلاند، ومروراً برفض الانضمام إلى «مجلس السلام» الجديد، إلى قضية الرسوم الجمركية في محاولة لكبح التفرد الأمريكي، لكن ترامب المعروف بالنفس الطويل يحاول من خلال قراراته الصادمة إدخال أوروبا «بيت الطاعة».

تصاعد الخلاف بين ترامب، وأوروبا، إثر حديث الأخير عن ضم غرينلاند، ووصل الأمر إلى فرض واشنطن تعريفات جمركية على من يرفضون الضم، لكن اتفاقاً على إطار للتفاوض حول الجزيرة، توصل إليه الرئيس الأمريكي، وأمين عام حلف الناتو، مارك روته، في دافوس، قد يكون نافذة للحل بعدما أعلنت الولايات المتحدة التوصل إلى «اتفاق إطاري» بشأن القضايا المتعلقة بغرينلاند، والأخرى ذات الصلة بتعليق الرسوم الجمركية التي كانت قد هددت بفرضها على ثماني دول بلدان أوروبية.

 صمود

يصرخ الأوروبيون اليوم ويتداعون للصمود في وجه ترامب الذي كسر قواعد النظام العالمي وأعلن بداية عصر الامبراطورية الأمريكية بعدما أسهموا طوال السنة الماضية في تزكية كل خرق قام به للقواعد التي وضعها هو بنفسه تحت مسمى النظام العالمي، وقد جاء ذلك بعد صدم ترامب من كانوا يحسبون أنفسهم حلفاء أمريكا، صار يتنمر على أوروبا ويبتزهم، ويشكك في حضاراتهم ويؤكد في أكثر من مناسبة أنهم ضعفاء ويقودون قارة عاجزة.

كشفت صحيفة «الغارديان» البريطانية، عن تصاعد نقاشات داخل الأوساط الاقتصادية والمالية الأوروبية بشأن تقليص الاعتماد على الولايات المتحدة، وبدء الانفصال المالي التدريجي «عن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في ظل تصاعد التوترات السياسية والاقتصادية بين أمريكا وأوروبا». بعد أيام من المساومات المكثفة، خفت حدة التوترات عندما أعلنت الولايات المتحدة التوصل إلى «اتفاق إطاري» بشأن القضايا المتعلقة بغرينلاند، والأخرى ذات الصلة بتعليق الرسوم الجمركية التي كانت قد هددت بفرضها على ثماني دول بلدان أوروبيأ

درك الأوروبيون، أنهم باتوا أقرب إلى هيمنة ترامب على قراراتهم وخياراتهم فبدأوا اليوم يصرخون في وجه الرئيس الأمريكي ويتداعون للصمود في وجه قراراته حول غرينلاند وأوكرانيا وزادت حاجة القارة العجوز إلى اتخاذ إجراءات ملموسة كرد على الضغط الذي يمارسه ترامب، خوفاً من إضعاف الاتحاد الأوروبي على الصعيد الجيوسياسي.

استقلالية

قدم الرئيس الأمريكي معروفاً غير مقصود لأوروبا؛ فقد أجبر تنمره المتقلب القادة الأوروبيين على إدراك حاجتهم للاستقلال عن أمريكا غير موثوقة، وعلى القطيعة مع سياساتهم الاقتصادية والأمنية الراكدة.ويؤكد محللون أن الخيار الوحيد أمام أوروبا الآن لمواجهة أطماع ترامب هو التخلي تماماً عن سياسة «الاسترضاء» وتبني استراتيجية المقاومة الحازمة،

فمنذ منتصف حقبة الأربعينيات من القرن الماضي، تعتمد الديمقراطيات الأوروبية على أمريكا لضمان أمنها. ولكنْ يبدو من الآن فصاعداً، أنّ على هذه الدول أن تتعلم كيف تعتمد على نفسها. فمنذ منتصف حقبة الأربعينيات من القرن الماضي، تعتمد الديمقراطيات الأوروبية على أمريكا لضمان أمنها. ولكنْ يبدو من الآن فصاعداً، أنّ على هذه الدول أن تتعلم كيف تعتمد على نفسها.

ويملك الاتحاد الأوروبي بالفعل قائمة بقيمة 93 مليار يورو، أو 107 مليارات دولار، من السلع الأمريكية التي يستعد لفرض رسوم جمركية انتقامية عليها بعد 6 فبراير المقبل واستغلال قوة الاتحاد الأوروبي الاقتصادية -وهو ثالث أكبر اقتصاد عالمي- لفرض عقوبات، وحرمان الشركات الأمريكية من الوصول إلى الأسواق الأوروبية، بدلاً من الرضوخ للتعريفات الجمركية الأحادية التي يفرضها.