في استراتيجيتها الدفاعية الجديدة، تطالب واشنطن أوروبا بأن «تقلع شوكها بيدها»، وأن تتحمل المسؤولية الأساسية عن دفاعها الخاص في مواجهة التهديدات التي تواجهها، لكن بالمقابل، تحاول قوى نافذة في الاتحاد الأوروبي الدفع باتجاه إعادة تقييم العلاقة مع واشنطن، واعتماد نهج «استقلالي» عنها، بل ودعا البعض إلى إقامة نظام دولي جديد، الأمر الذي يتلاقى مع مساعي روسيا والصين وحلفائهما.

تقول «استراتيجية الدفاع القومي 2026»: «كما يتبين بوضوح من استراتيجية الأمن القومي، أن قيام أوروبا بتحمل المسؤولية الأساسية عن دفاعها التقليدي يعد استجابة لتلك التهديدات الأمنية التي تواجهها».

وتضيف أن البنتاغون «سيشجع الحلفاء في «الناتو» ويساعدهم في تحمل المسؤولية الأساسية عن الدفاع غير النووي عن أوروبا، بدعم حاسم ولكنه محدود»، كما نقلت «روسيا اليوم».

وتضع الاستراتيجية الجديدة الدفاع عن الأراضي الأمريكية ونصف الكرة الغربي في صدارة الأولويات العسكرية.

وأعلن وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث عن الوثيقة، مشدداً على إحياء «مبدأ مونرو» لمنع أي نفوذ عسكري صيني أو روسي في الأمريكتين، وفق تعبيره.

في السياق الأوروبي نفسه، يؤكد ستيفن ميلر، نائب كبير موظفي البيت الأبيض، أن انتقاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للدول الأوروبية يعود إلى حقيقة أن أوروبا «تدمر نفسها ببطء».

يقول ميلر في حوار مع قناة «فوكس نيوز»: «كان انتقاده لأوروبا خلال خطابه في دافوس من أهم التصريحات التي أدلى بها رئيس أمريكي على الإطلاق بشأن القارة (العجوز)، فأوروبا تدمر نفسها ببطء من خلال خنق قطاع الطاقة لديها باللوائح التنظيمية، واعتمادها على الطاقة النظيفة غير الفعالة وعلى دول أخرى، كما تدمر نفسها بسياسات هجرة غير مسؤولة، وكذلك بتقاعسها عن الاستثمار في قواتها، واستخدامها الولايات المتحدة لدعم الدفاع (الأوروبي)».

إعادة تقييم

وفي وقت علق ترامب مؤقتاً الرسوم الجمركية التي كان هدد بفرضها على ثماني دول أوروبية، ونقلت وكالة شينخوا الصينية عن مراقبين أوروبيين قولهم إن القمة الطارئة التي عقدها الاتحاد الأوروبي الخميس، عكست جهداً أوسع نطاقاً لإعادة ضبط العلاقات عبر الأطلسي، حيث دفعت الضغوط الأمريكية المتعلقة بغرينلاند والتجارة أوروبا إلى إعادة تقييم افتراضاتها الراسخة بشأن حليفها التقليدي.

ونقلت صحيفة «واشنطن بوست» الجمعة عن زعيم أوروبي لم تسمه، أن أوروبا لن تنسى الاستخفاف الذي أبدته إدارة ترامب في تعاطيها معها.

ويرى مراقبون أن التحول في العلاقات عبر الأطلسي هيكلي ولا رجعة فيه، حتى مع انحسار الخلاف بشأن غرينلاند في الوقت الحالي.

وأشار موقع «بوليتيكو أوروبا» إلى أن القمة الطارئة التي عقدها الاتحاد الأوروبي سارت كما هو مخطط لها، ما يعكس الشكوك الأوروبية العميقة تجاه واشنطن.

ومن طموحات ترامب بشأن غرينلاند إلى انتقاداته الحادة لأوروبا في منتدى دافوس، قالت وسائل إعلام أوروبية إن القارة أدركت الحاجة إلى صحوة استراتيجية.

وشدد مسؤولون أوروبيون على أن الاتحاد الأوروبي يجب أن يسعى إلى قدر أكبر من الاستقلالية ويتخلى عن الأوهام بشأن الولايات المتحدة، وأشار بعضهم إلى أن الاتحاد «يقف عند مفترق طرق»، بينما أشار محللون إلى أن أوروبا لا تستطيع قطع علاقاتها مع واشنطن بشكل مفاجئ، لكنها ستسعى إلى تحقيق استقلالية استراتيجية بطريقة تدريجية وواقعية.

نتائج عكسية

وذكرت العديد من وسائل الإعلام والخبراء أن نهج واشنطن المتشدد أثار رد فعل عكسياً بين الحلفاء الأوروبيين، الأمر الذي عبر عنه مقال نُشر في «بروجكت سنديكيت» الدولية، وأشار إلى أن أساليب «التنمر» قد تؤدي إلى تنازلات قصيرة الأجل، لكنها في النهاية تدفع الحلفاء إلى تقليص اعتمادهم على الولايات المتحدة وتشكيل تحالفات جديدة، في حين قوبلت دعوة رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في دافوس إلى بناء «نظام جديد»، بتصفيق حار من الحضور.

مانويل لوف، الأستاذ المشارك في جامعة بورتو، قال إن التاريخ يبين أن القوى المهيمنة غالباً ما تنهار تحت وطأة المقاومة التي تولدها، وأن مثل هذه العلاقات غير المتكافئة تتسبب في تراكم معارضة تنقلب في النهاية على القوة المهيمنة نفسها.

كما كرر مقال نُشر في «نيوزويك» هذا الرأي، محذراً من أنه مع تنامي قوة الحلفاء السابقين، تخاطر الولايات المتحدة بأن تُحصر في مجالات نفوذ أضيق، وأن «أمريكا أصبحت بسرعة قوة إقليمية أكثر منها قوة عالمية»، مشيراً إلى أن سياسات واشنطن نفسها أسهمت في تسريع هذا الاتجاه.

فقدان الوزن

لكن المستشار الألماني الأسبق غيرهارد شرودر لا يتمتع بكثير من الأمل، حيث يرى أن الاتحاد الأوروبي في ظل مساره الحالي يفقد وزنه الدولي، كما نقلت عنه وكالة سبوتنيك الروسية.

وفي مقال لصحيفة «بيرلنر زيتونغ» الألمانية، أشار شرودر إلى أن السبب ليس فقط في أن روسيا والولايات المتحدة تبحثان مستقبل أوكرانيا «على حساب الاتحاد الأوروبي»، ولكن أيضاً لأن الدول الأعضاء في مجموعة «بريكس» ومنظمة شنغهاي للتعاون تمثل مجتمعة أكثر من 50% من سكان العالم.

ويعتبر شرودر أن «تطور العالم وديناميكياته التقنية والاقتصادية يتحول من الغرب إلى الشرق».

وإذ يصف شرودر الحرب الروسية على أوكرانيا بأنها «مخالفة للقانون الدولي»، لكنه يحذر في الوقت نفسه من شيطنة روسيا.

ويؤكد السياسي المخضرم، الذي ينتمي للحزب الاشتراكي الديمقراطي، والذي يواجه انتقادات منذ سنوات بسبب صداقته الممتدة لفترة طويلة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وعمله لدى شركات نفط وغاز روسية، أنه يعارض أيضاً «شيطنة روسيا باعتبارها عدواً أبدياً».

وكتب شرودر: «ليست روسيا بلد البرابرة، بل بلد ذو ثقافة عظيمة وروابط تاريخية متعددة مع ألمانيا»، مضيفاً أن تعرض هذا البلد خلال حربين عالميتين لهجوم وحشي من جنود ألمان يظل «عاراً ألمانياً».

وذكر شرودر أن سياسة ترامب ستكون لها عواقب وخيمة على أوروبا، وقال إن ترامب لا يسعى فقط إلى ضم جزيرة غرينلاند، بل يعمل أيضاً على إدخال الاتحاد الأوروبي في تبعية جديدة للولايات المتحدة.

وكتب: «العالم يعاد تنظيمه، لكن الاتحاد الأوروبي يكتفي برد الفعل، لأنه لم يعد يبدو قوة استراتيجية».