في خطوة دبلوماسية وُصفت بأنها "مهمة لترميم الثقة" وإعادة صياغة موازين القوى في شرق آسيا، وصل الرئيس الكوري الجنوبي "لي جاي ميونغ" اليوم الأحد إلى العاصمة الصينية بكين. وتكتسب هذه الزيارة الرسمية، وهي الأولى من نوعها لرئيس كوري جنوبي منذ عام 2019، أهمية استراتيجية قصوى؛ حيث تسعى سيول عبرها إلى تجنب الاستقطاب السياسي الحاد في المنطقة، خاصة فيما يتعلق بالملفات الحساسة كالأزمة في تايوان، والتركيز بدلاً من ذلك على بناء علاقات تجارية "أكثر تكافؤاً" تضمن استقرار سلاسل التوريد العالمية وتحقق المصالح المشتركة للبلدين.

ويقود الرئيس الكوري وفداً اقتصادياً هو الأضخم من نوعه، يضم قادة عمالقة التكنولوجيا والصناعة مثل "سامسونغ" و"هيونداي" و"إس كيه هينيكس". وتأتي هذه التحركات مدعومة بأرقام اقتصادية ضخمة؛ حيث تعد الصين الشريك التجاري الأول لسيول بحجم تبادل تجاري تجاوز 310 مليارات دولار في عام 2025.

ويهدف الوفد من خلال هذه القمة إلى تأمين تدفق المواد الخام الحيوية، إذ تعتمد كوريا الجنوبية على بكين في توفير أكثر من 75% من المكونات اللازمة لصناعة البطاريات والرقائق الإلكترونية، مما يجعل استقرار العلاقات السياسية ضرورة حتمية للأمن القومي الاقتصادي الكوري.

ومن المقرر أن يلتقي الرئيس "لي" غداً الاثنين نظيره الصيني "شي جينبينغ" لبحث مستقبل الاستثمارات المتبادلة، قبل أن يجري الثلاثاء محادثات تجارية موسعة مع رئيس الوزراء الصيني "لي تشيانغ".

وتشمل أجندة الزيارة الانتقال إلى المركز المالي في شنغهاي، حيث يشارك الرئيس في قمة للشركات الناشئة تعزيزاً للتعاون التقني، بالإضافة إلى زيارة رمزية للمقر التاريخي للحكومة الكورية في المنفى إبان الحكم الياباني، وهي خطوة تهدف إلى التأكيد على الروابط التاريخية العميقة التي تجمع البلدين في مواجهة التحديات الإقليمية المشتركة.

وعلى الرغم من الأهداف الاقتصادية المعلنة، إلا أن طبول الحرب في شبه الجزيرة الكورية ألقت بظلالها الثقيلة على القمة؛ فقد أطلقت كوريا الشمالية صواريخ بالستية قبل ساعات فقط من وصول "لي" إلى بكين، في تصعيد يربطه المحللون بالتوترات الدولية الأخيرة، وخاصة العملية العسكرية الأمريكية في فنزويلا.

ويرى خبراء أن نفوذ بكين القوية لدى بيونغ يانغ يمثل ورقة حاسمة في يد الرئيس الكوري الجنوبي لمحاولة "إذابة الجليد" واستعادة الاستقرار، خاصة بعد موافقة واشنطن على خطة سيول لتطوير غواصات نووية، وهو ما زاد من وتيرة التسلح والتوتر في المنطقة.

وتضع هذه الزيارة سياسة "الحياد الاستراتيجي" التي ينتهجها الرئيس "لي جاي ميونغ" تحت اختبار حقيقي أمام المجتمع الدولي.

فبين الضغوط الأمنية المرتبطة بالتحالف مع واشنطن، والرغبة في النمو الاقتصادي المرتبط بالشراكة مع بكين، تحاول سيول السير على حبل مشدود لضمان أمنها القومي واستقرارها المالي، في وقت يترقب فيه العالم ما ستسفر عنه هذه القمة من تفاهمات قد تغير وجه التفاعل الجيوسياسي في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.