قبل ثلاثة أسابيع فقط، بدا أن مسيرة لويس إيناسيو لولا دا سيلفا السياسية تقترب من خاتمتها. فقد خسر الرئيس البرازيلي الجولة الأولى من الانتخابات أمام السيناتور فلافيو بولسونارو، نجل الرئيس السابق المسجون جايير بولسونارو، بفارق 2.2 مليون صوت، وأشارت استطلاعات الرأي إلى تعادل تقني يميل لصالح خصمه. لكن مساء الأحد، أعلنت المحكمة الانتخابية العليا فوز لولا بنسبة 51.79% مقابل 48.21%، بفارق تجاوز 4.4 ملايين صوت. وحصد السياسي الثمانيني 64,256,232 صوتاً، وهو أعلى عدد يناله مرشح واحد في تاريخ البرازيل، متجاوزاً رقمه القياسي في 2022 بنحو 3.9 ملايين صوت.

وتكتسب النتيجة طابعاً تاريخياً مضاعفاً، فهي المرة الأولى منذ عودة البرازيل إلى الانتخابات المباشرة عام 1989 التي يفوز فيها مرشح بجولة الإعادة بعد خسارته الجولة الأولى. ورأت فيها وكالة «بلومبرغ» عودة من الخلف أوقفت موجة يمينية تجتاح أمريكا اللاتينية، وكذّبت التوقعات بأن السياسي المخضرم بلغ أخيراً نهاية مسيرته الاستثنائية.

جائزة كبرى

غير أن قيمة هذا الفوز لا تُفهم إلا على خريطة القارة. فخلال الأشهر الأخيرة، بدت أمريكا الجنوبية كأنها تنجرف بثبات نحو اليمين. ففي الأرجنتين والإكوادور، عزز الناخبون تفويض خافيير ميلي ودانيال نوبوا بدلاً من العودة إلى التقاليد اليسارية التي سادت سابقاً، ثم انتخبت تشيلي اليميني المحافظ خوسيه أنطونيو كاست، في موجة رأى فيها خبراء انعكاساً لنفوذ ترامب في المنطقة. وتبعتها كولومبيا، حيث فاز أبيلاردو دي لا إسبرييا، القادم من خارج الحياة السياسية، بفارق ضئيل على اليساري إيفان سيبيدا، في نتيجة عُدّت رفضاً لسياسات الرئيس المنتهية ولايته غوستافو بيترو، فيما يعد الرئيس الجديد بنهج متشدد في مواجهة الجريمة مستلهم من تجربة رئيس السلفادور نجيب بوكيلي. ثم البيرو، حيث فازت اليمينية كيكو فوجيموري بنسبة 50.135% من الأصوات الصحيحة في جولة الإعادة.

ووسط هذه الخريطة، بدت البرازيل الجائزة الكبرى. ولو فاز فلافيو بولسونارو، لاكتمل للتيار اليميني المتحالف مع البيت الأبيض الطوق على كبرى دول القارة. لكن فوز لولا حال، بتعبير «سي إن إن»، دون أن يحصد ترامب «جوهرة التاج» في سلسلة انتصارات المرشحين اليمينيين المتحالفين معه. وبحسب وكالة «أسوشيتد برس»، يُبقي الفوز المكسيك والبرازيل، أكبر دولتين في أمريكا اللاتينية من حيث عدد السكان، تحت قيادة يسار الوسط، ويتيح لأكبر اقتصاد في المنطقة، بناتج محلي يبلغ 2.6 تريليون دولار سنوياً، أن يحافظ على استقلاليته عن واشنطن رغم ضغوط الرسوم الجمركية.

فكيف نجحت البرازيل وحدها في السباحة عكس التيار؟ تتعدد الأسباب، لكن عاملاً واحداً يتكرر في معظم القراءات، وهو المفارقة الكبرى في هذه الانتخابات: الرجل الذي كان ينبغي أن يكون أكبر داعمي اليمين البرازيلي، كان، على الأرجح، أحد أبرز من مهّدوا الطريق لهزيمته.

ضغوط أميركية

تعود القصة إلى صيف 2025. ففي ذروة محاكمة جايير بولسونارو بتهم تتعلق بمحاولة انقلاب أعقبت خسارته انتخابات 2022، دخل ترامب على الخط بقوة. فقد وصف المحاكمة بأنها «مطاردة ساحرات»، وفرض عقوبات على قاضي المحكمة العليا ألكسندر دي مورايس الذي ترأس القضية، ثم فرض رسوماً جمركية بنسبة 50% على السلع البرازيلية. وكانت هذه الرسوم، بحسب «نيوزويك»، غير شعبية في البرازيل، فالتقطها لولا وقدّم الضغط الأمريكي بوصفه اعتداءً على السيادة الوطنية.

وكان أثر ذلك فورياً على صورة لولا. فقبل الرسوم، كان الرئيس البرازيلي يعاني من تراجع شعبيته، إذ كان نحو نصف الناخبين يعبّرون عن عدم رضاهم عنه. لكن الرسوم، بحسب «أسوشيتد برس»، أعادت إليه الحيوية ورفعت شعبيته. ورأى كاتب في مقالة رأي نشرتها صحيفة «ذا هيل» آنذاك أن تهديدات ترامب كانت بالنسبة إلى لولا «نعمة في ثوب نقمة»، إذ بدأت الأزمة الاقتصادية وتراجع شعبيته يتواريان خلف موجة من الحماسة الوطنية.

وفي معسكر بولسونارو، تحولت الضغوط الأمريكية من رصيد إلى عبء. فقد انتقل إدواردو بولسونارو، الشقيق الآخر لفلافيو، إلى الولايات المتحدة، وضغط على إدارة ترامب دفاعاً عن والده، وتباهى في البداية بأنه وراء تلك الضغوط. لكن تباهيه، بحسب «سي إن إن»، ارتد لاحقاً على حملة شقيقه، حين أضرت الرسوم بالشركات البرازيلية. وفجأة، صار ناخب برازيلي يرى في عائلة بولسونارو الطرف الذي استدعى عقوبات خارجية على بلاده.

ورغم أن حدة الأزمة خفّت لاحقاً، إذ خُففت الرسوم ورُفعت العقوبات، فإن ترامب عاد هذا العام ليفرض رسوماً جديدة على بعض السلع البرازيلية، متذرعاً بممارسات تجارية غير عادلة، ولا تزال سارية حتى اليوم. وبذلك ظل ملف السيادة حاضراً في قلب الحملة الانتخابية حتى يوم الاقتراع.

ولخّص أحد المحللين المشهد بعبارة تداولتها التحليلات على نطاق واسع، نقلتها «سي إن إن»: يمزح بعضهم بأن أنجح من قاد حملة لولا كان دونالد ترامب، لأن الرسوم ومحاولات التدخل في السياسة البرازيلية ارتدت في معظمها لصالحه.