لم تأتِ فنزويلا في العام الأول من الولاية الثانية لدونالد ترامب بوصفها أزمة تقليدية في أمريكا اللاتينية، بل كاختبار مباشر لسياسة الحسم التي فضّلتها واشنطن على حساب الدبلوماسية الطويلة النفس.العملية الصادمة التي انتهت باعتقال الرئيس نيكولاس مادورو أعادت إلى الأذهان منطق «تغيير الأنظمة» الذي طالما شكّل ركيزة خفية في السياسة الأمريكية تجاه الجوار الجنوبي، لكن بوسائل أكثر صراحة وحدّة.

وبينما قدّمت الإدارة الأمريكية ما جرى باعتباره إنجازاً سياسياً يفتح الباب أمام مرحلة جديدة، برزت تساؤلات أعمق حول قدرة هذا التدخل على إنتاج استقرار فعلي داخل فنزويلا، أو ما إذا كان قد أطلق سلسلة ارتدادات إقليمية يصعب ضبطها.وفي ظل هشاشة المشهد الداخلي وتداخل المصالح الدولية،

تحوّلت فنزويلا سريعاً إلى ساحة إعادة تموضع للقوى الكبرى، حيث تسعى روسيا والصين إلى ملء أي فراغ ينشأ عن انكفاء أو ارتباك أمريكي، ما يجعل من المشهد الفنزويلي مرآة أوسع لتحولات النفوذ في أمريكا اللاتينية، لا مجرد تغيير سياسي معزول.

مكاسب تكتيكية

إلى ذلك، ترى د. صدفة محمد محمود، الباحثة المتخصصة في شؤون أمريكا اللاتينية، أن العملية الأمريكية في فنزويلا بتاريخ 3 يناير الجاري، والتي أدت إلى اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وترحيله إلى الولايات المتحدة لمواجهة تهم تتعلق بالمخدرات، تثير تساؤلات عميقة حول مستقبل السياسة الأمريكية في المنطقة واستقرار فنزويلا الإقليمي.

وتوضح أن واشنطن نجحت في تحييد رأس النظام، لكنها لم تستطع حتى الآن استئصال هيكل السلطة الفنزويلي نفسه، إذ لا تزال نائبة الرئيس السابقة، ديلسي رودريغيز، تتولى الرئاسة المؤقتة وتحتفظ بعلاقات وثيقة مع الإدارة الأمريكية.

وتضيف د. صدفة أن إعادة العلاقات الاقتصادية تدريجياً، بما في ذلك رفع تدريجي للعقوبات وعودة الشركات الأمريكية مثل إكساموبيل للعمل، ستتطلب سنوات ومليارات الدولارات لإعادة تأهيل البنية التحتية المتضررة، وسط تردد الشركات الأمريكية نتيجة حالة عدم الاستقرار الداخلي.

وتشير إلى أن الصراع على السلطة بين الرئيسة المؤقتة ووزير الداخلية  والموالون النظام السابق، مع التحركات العسكرية المحتملة، يهدد الاستقرار السياسي ويستدعي تحذيرات أمنية لمواطني الولايات المتحدة.

أما على صعيد النفوذ الدولي، فتوضح الباحثة أن السيطرة الأمريكية على الموارد النفطية والفروع الاقتصادية في فنزويلا تعرّض مصالح روسيا والصين للخطر، رغم حرص البلدين على الحفاظ على استثماراتهما السابقة.

وتخلص د. صدفة إلى أن واشنطن قد تحقق مكاسب تكتيكية قصيرة الأجل، لكنها تواجه تحدياً استراتيجياً طويل المدى في إدارة الاستقرار الفنزويلي والحفاظ على نفوذها في أمريكا اللاتينية.

الواقعية الهجومية

بدوره، يقول د. محمد عطيف، أستاذ العلاقات الدولية، إن التحرك الأمريكي في فنزويلا بتاريخ 3 يناير 2026 يشكّل تحوّلاً نوعياً في السياسة الخارجية للولايات المتحدة، ويضيف أن هذا التحرك يستحضر مبدأ مونرو بصيغته الموسّعة من خلال ما أسماه «تعديل ترامب»، القائم على رفض أي حضور خارجي في المجال الغربي.

ويؤكد أن الرئيس ترامب اعتمد مقاربة الواقعية الهجومية، معتبراً التدخل إجراءً ضرورياً لتحييد تهديد مباشر للأمن القومي الأمريكي، المتمثل في تحالف مادورو مع روسيا والصين وإيران، وبالتوازي مع ذلك لتأمين تدفق النفط الفنزويلي بما ينسجم مع المصالح الاقتصادية للولايات المتحدة.

ويضيف د. عطيف إن الاعتقال السريع لمادورو وزوجته ونقلهما إلى الأراضي الأمريكية يبرز التفوق العسكري الأمريكي، ويعكس اعتماد مقاربة «الضربة الوقائية» ذات الكلفة المحدودة، لكنه يوضح أن هذا التدخل يثير نقاشاً قانونياً وأخلاقياً حول مدى خرق مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية المنصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة

.ويضيف أن ذلك يضع الولايات المتحدة أمام تحدي الإشراف المؤقت على الانتقال السياسي في كاراكاس، خصوصاً في ظل احتمال فرض نموذج «الديمقراطية المُدارة» بصيغة أمريكية.

ويشير د. عطيف إلى أن التدخل الأمريكي يعكس عقيدة «السلام عبر القوة»، ويقول إن الضربات السريعة في فنزويلا واليمن وإيران أظهرت نجاحاً تكتيكياً، لكنه يوضح أن النهج الانفرادي يثير قلق الحلفاء التقليديين، ويفتح المجال لتحالفات مضادة، لا سيما التقارب الروسي–الصيني.

ويخلص د. عطيف إلى أن هذا التطور مكسب تكتيكي قصير المدى، لكنه ينطوي على مخاطر استراتيجية بعيدة المدى، من بينها تعميق الاستقطاب في أمريكا اللاتينية وتقويض الشرعية الدولية للولايات المتحدة، ما قد يضعف الهيمنة الأمريكية مستقبلاً.