تستعد ليبيا لاستقبال العام 2026 بجملة من التطلعات في اتجاه البحث عن الحل السياسي الذي طال انتظاره، لا سيما أن السابع عشر من فبراير المقبل سيتزامن مع الذكرى 15 لاندلاع الثورة الشعبية العارمة التي أطاحت بنظام العقيد الراحل معمر القذافي.
وفي السادس عشر من مارس، سيكون قد مر خمس سنوات على تسلم حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة مقاليد الحكم بعد أن تم انتخاب قادة السلطة التنفيذية من داخل مؤتمر الحوار السياسي الذي أدارته وأشرفت عليه الأمم المتحدة في جنيف أوائل فبراير 2021.
وبحسب المراقبين، فإن العام المقبل، سيشهد جملة من التحديات المهمة التي تصب في إطار سعي الفرقاء الداخليين والمجتمع الدولي لحلحلة الأزمة وفك فتيل المواجهة في البلد العربي الثري في شمال أفريقيا الذي لا تزال تتهدده حالة الفوضى والانفلات مع استمرار وضعية التشرذم والانقسام.
خارطة الطريق
أول تحديات العام 2026 هو تطبيق بنود خارطة الطريق المطروحة من قبل الأمم المتحدة، وذلك انطلاقاً من الحوار المهيكل الذي يهدف إلى تحديد المبادئ التوجيهية لبناء الدولة وصياغة توصيات سياسية وتشريعية في مجالات الحوكمة والاقتصاد والأمن والمصالحة الوطنية. والذي من المتوقع أن يسهم هذا النهج في تهيئة الظروف السياسية اللازمة لعملية انتخابية سلمية، وفي المساعدة في الحفاظ على السلام والاستقرار في أعقاب الانتخابات، وفق ما أكدته رئيس البعثة الأممية هانا تيتيه.
كما يهدف الحوار إلى استطلاع آراء الليبيين أنفسهم حول التصدي للتحديات الخطيرة التي تواجه البلاد، بالإضافة إلى معرفة آرائهم حول الآليات والنظم التي ينبغي تطويرها لتنفيذ مخرجات الحوار المهيكل. وستنشر هذه المخرجات لتعميمها على الجمهور الأوسع.
.وكانت البعثة أطلقت في 14 و15 ديسمبر الجاري، الاجتماع الافتتاحي للحوار المهيكل الذي يجمع طيفاً واسعاً من المجتمع الليبي بمشاركة 124 شخصية ليبية تنوب عن مختلف المؤسسات والمجموعات التي تمثل الأطراف المعنية. وبينما انطلقت فعاليات الحوار في طرابلس، تعتزم البعثة تيسير اجتماعات فرق العمل في جميع أنحاء البلاد، وتشجيع المشاركة عبر المنصات الرقمية لإتاحة الفرصة لأكبر عدد ممكن من المشاركين لمشاركة آرائهم حول القضايا المطروحة.
وتشكل النساء الليبيات 35 بالمائة من المشاركين.وينتظر أن تنفذ خارطة الطريق بشكل تدريجي ضمن إطار زمني يتراوح بين 12 و18 شهراً، على أن تتوج بإجراء انتخابات تتيح لليبيين اختيار من يقودهم وتنتهي معها المراحل الانتقالية،
وتراهن البعثة على أن تشكيل الحكومة الجديدة سيتم خلال شهرين، لتهيئة البيئة للانتخابات، علما أن متطلبات خارطة الطريق ستشمل كذلك إعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، ومعالجة القضايا التي ساهمت في عدم إجراء انتخابات 2021.
المناصب السيادية
ثاني التحديات، هو تنفيذ الاتفاق بخصوص المناصب القيادية في المؤسسات السيادية والذي لا يزال معطلاً منذ سنوات، أي منذ يناير 2021، لا سيما أن اللجنتين التابعتين لمجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، توصلتا إلى اتفاق نهائي حول آلية اختيار شاغلي المناصب السيادية في الدولة، بعد مشاورات مكثفة بين الطرفين استمرت أسابيع عدة، في خطوة ينظر إليها على أنها محطة مهمة في مسار توحيد المؤسسات وتحقيق الاستقرار السياسي.
وتشمل المناصب السيادية كلاً من المحكمة العليا، مصرف ليبيا المركزي، النائب العام، هيئة الرقابة الإدارية، ديوان المحاسبة، مجلس إدارة المفوضية العليا للانتخابات، وهيئة مكافحة الفساد، على أن تشهد المرحلة المقبلة تفعيل الآلية المتفق عليها، التي ترتكز على الشفافية والنزاهة والكفاءة، لضمان اختيار شخصيات مؤهلة قادرة على الاضطلاع بمهامها بما يخدم المصلحة الوطنية العليا.
وكانت اللجنتان اتفقتا في 4 أكتوبر الماضي على إعادة تشكيل مجلس المفوضية العليا المستقلة للانتخابات في غضون أسبوعين. ورغم تعدد الجهود والعمل مع هاتين المؤسستين، إلا إن ذلك لم يحدث. وفي حين قدم المجلس الأعلى أسماء إلى مجلس النواب لاختيار رئيس مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، غير أنه لم يحدث أي تقدم بالخصوص.
وعقدت البعثة في 20 نوفمبر الماضي، جلسة عامة للجنة المتابعة الدولية المعنية بليبيا على مستوى السفراء بمشاركة ممثلين عن هذين المجلسين وتمت دعوتهم لتقديم إحاطة بشأن التقدم المحرز في هذين الهدفين، إلا إنه بات جلياً أنه من أجل التوصل إلى توافق، لا يزال هناك الكثير مما يتعين عمله.
توحيد المؤسسة العسكرية
ثالث التحديات، هو توحيد المؤسسة العسكرية التي لا تزال تواجه حالة الانقسام الحاد من العام 2014، لا سيما مع استمرار سيطرة الميليشيات على مناطق غرب البلاد، وفشل الجهود الداخلية والخارجية في التوافق حول برنامج لجمع السلاح المنفلت وإجلاء القوات الأجنبية والمرتزقة من الأراضي الليبية.
وبحسب اللواء مختار النقاصة عضو اللجنة العسكرية الليبية المشتركة «5+5»، فإن توحيد الجيش والقضاء على المرتزقة يتطلب وجود رئيس ليبي منتخب ينظم مؤسسة عسكرية محترفة ويحظى بدعم دولي راسخ، كما أن «اللجنة العسكرية لم تتسلم بعد مهمة رسمية لتطوير هيكل موحد للمؤسسة العسكرية، إلا أنه يمكن الاستفادة من مخرجات اجتماع القاهرة عام 2017، الذي طرح رؤية لإعادة بناء المؤسسة العسكرية بحيث تأخذ في الاعتبار الانقسام بين الشرق والغرب».
ويرى مراقبون، أن الجيش الوطني الليبي الذي يتخذ من بنغازي مقراً لقيادته، يسيطر على نحو 90 بالمائة من المساحة الإجمالية للبلاد، وأصبح قوة ضاربة داخلياً وإقليمياً، ولا يمكن تجاوز دوره الاستراتيجي في أي خطة مستقبلية لتوحيد الجيش والقوات المسلحة، غير أن بعض التيارات العقائدية والجماعات المسلحة واللوبيات النافذة تحاول إبقاء الأوضاع على ما هي عليه.
وينتظر أن يشهد العام 2026 خطوات حاسمة على طريق توحيد المؤسسة العسكرية، وفق ما تشير إليه تحركات الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا، التي سبق وأن أكدت ضرورة أن تظل قضية توحيد المؤسسة العسكرية أولوية للسلطات في جميع أنحاء ليبيا، مشيرة إلى أن أمن واستقرار البلاد أمران حاسمان لأي عملية سياسية للمضي قدماً،
في وقت بحث اللقاء السبل التي يمكن من خلالها للبعثة الأممية دعم بفاعلية أكثر جهود ليبيا نحو توحيد المؤسسات العسكرية، وتعزيز أمن الحدود ومعالجة المجالات الرئيسية الأخرى للأمن القومي.
تجاوز الأزمة المالية
رابع التحديات هو الأزمة المالية العاصفة التي تمر بها البلاد، والتي تسعى جهات الاختصاص إلى حلحلتها في العام 2026 حتى لا تتفاقم الأوضاع بما قد يودي بالبلاد إلى وضع لا تحمد عقباه، خصوصاً مع اتساع نطاق الدعوات الصادرة عن أكثر من جهة للانتفاض من جديد وتحويل الشارع والميادين العامة إلى ساحات مواجهة مع السلطات الحكومية.
ووفق تصريحات محافظ المصرف المركزي، ناجي عيسى، فإن الوضع الحالي الكارثي. وإن الدولة مهددة بفقد السيطرة على مواردها من النقد الأجنبي، والعجز عن حماية القدرة الشرائية لليبيين، في حال لم يتم توحيد قنوات الاستيراد تحت مظلة القطاع المصرفي،
كما أن سيناريو حصار مالي دولي غير مستبعد بالنظر إلى أن المنظمات الدولية، مثل مجموعة العمل المالي، تراقب بدقة تدفقات الأموال.
ويرى الخبير المصرفي والمدير السابق للمصرف التجاري الوطني، إبراهيم الحداد، أن ما يقارب 80% من مظاهر الفساد والأزمات المالية والنقدية والاقتصادية التي عصفت بالبلاد منذ 15 سبتمبر 2011 وحتى اليوم، تعود بوضوح إلى ممارسات وقرارات من كلفوا بإدارة المصرف خلال هذه الحقبة.
وقال: إن تشخيص الأزمة يبدأ من مراجعة قرارات الإدارة النقدية، معتبراً أن استمرار النهج الحالي في إدارة المصرف المركزي ساهم في تفاقم الفساد وعرقلة أي جهود للإصلاح الاقتصادي.
ويأمل الليبيون أن تنجح السلطات خلال القادم في حلحلة الأزمة ولو بشكل جزئي، وذلك عبر إعادة الاعتبار للعملة المحلية، وقطع الطريق أمام المضاربات على العملات، والتصرف بشكل أفضل في رصيد الدولة من النقد الأجنبي عبر ترشيد الاستهلاك والاستيراد، والتحكم في الدين العام الذي بلغ خلال العام 2025 ما يقارب 50 مليار دولار أمريكي.
