دخلت العلاقات بين البعثة الأممية والسلطات في الشرق الليبي، مرحلة من التوتر غير المسبوق، إذ أعلن رئيس الحكومة المنبثقة عن مجلس النواب، أسامة حماد، أن تنقل وتحركات البعثات الدولية والدبلوماسيين داخل الأراضي الليبية تخضع حصراً للقوانين الوطنية، ولا يسمح بأي نشاط خارج إطار التنسيق مع الجهات الرسمية، ما يعني تقييد حركة رئيسة وأعضاء وموظفي البعثة في مناطق شرق ووسط وجنوب ليبيا.

وأكد حماد خلال حفل تخريج الدفعة الرابعة من المعهد العالي لضباط الشرطة في بنغازي، أمس، أن استغلال الغطاء الأممي أو الصفة الدبلوماسية لتنفيذ لقاءات أو أنشطة دون إذن مسبق من وزارة الخارجية يمثل تجاوزاً مرفوضاً للسيادة الوطنية، موضحاً أن الحكومة لن تتهاون مع هذه الممارسات، وستتخذ إجراءات قانونية صارمة ضد المخالفين، مهما كانت صفاتهم أو انتماءاتهم.

وأضاف حماد: نؤكد أن دخول أو تنقل أو تجول أعضاء البعثات الدبلوماسية وممثلي المنظمات الإقليمية والدولية والأهلية يتم فقط بموافقة صريحة من الجهات الليبية المختصة، وفي مقدمتها وزارة الخارجية، داعياً الأجهزة الأمنية والشرطية المختصة لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لمنع أي خروقات، مؤكداً أن الحفاظ على سيادة الدولة واستقلال قرارها هو أولوية وطنية لا تقبل التهاون.

بدورها، قالت البعثة في بيان، إنها تتابع بقلق التصريحات التي صدرت عن بعض الشخصيات السياسية، والتي شجعت على ارتكاب أفعال غير قانونية ضد موظفيها ومقراتها، محذرة من محاولات تقويض مسار العملية السياسية، وأكدت احترامها الكامل وغير المشروط لحق السكان المحليين في التظاهر السلمي والتعبير عن الرأي، معتبرة أن التواصل المباشر مع الشعب الليبي هو حجر الزاوية في عملها.

وأعربت البعثة عن استيائها مما وصفتها بحملات التحريض والشائعات التي تستهدفها، لافتة إلى أن هذه الخطابات قد تعرقل الجهود الأممية نحو إطلاق عملية سياسية تؤدي إلى الانتخابات وتوحيد المؤسسات وتحقيق الاستقرار.

كما شددت على أهمية الحفاظ على الطابع السلمي لأي تظاهرات، والامتناع عن أي أعمال خارجة عن القانون، ودعت إلى حل الخلافات عبر الحوار البناء، مذكرة باتفاقية عام 1946 بشأن امتيازات وحصانات الأمم المتحدة، والاتفاق المبرم مع السلطات الليبية، والذي ينص على احترام حرمة مقار الأمم المتحدة وموظفيها وممتلكاتها، مردفة أنها ستواصل مراقبة التطورات عن كثب.

استياء شعبي

جاء ذلك على إثر تظاهرات حاشدة نظمها محتجون في محيط مقر البعثة الأممية بطرابلس، وقالت الحكومة المنبثقة عن مجلس النواب إن ما تشهده الساحة الليبية من احتجاجات هو تعبير شعبي طبيعي عن الاستياء المتزايد تجاه أداء البعثة، التي قالت إنها فشلت خلال أكثر من عقد في تحقيق أي تقدم ملموس، بل وأسهمت في تعقيد الأزمة من خلال دعم ترتيبات هشة ومسارات غير واقعية، وفق نص البيان.

واستنكرت الحكومة ما وصفته بمحاولة البعثة تصوير الاحتجاجات الشعبية كمؤامرة ضد جهود التسوية أو كتحريض على العنف، وقالت إنها تعتبر ذلك تهرباً من المسؤولية وتضليلاً متعمداً للرأي العام الدولي، مشددة على أن حرية التعبير والاحتجاج السلمي حق مكفول بموجب القوانين الوطنية والمواثيق الدولية، مشيرة إلى أن المساس بهذا الحق أو مصادرته أمر غير مقبول.

بيان مشترك

إلى ذلك، أصدر 70 نائباً في مجلس النواب، بياناً مشتركاً أعربوا فيه عن رفضهم لما وصفوه بانحراف مسار عمل البعثة الأممية، محذرين من أي ترتيبات سياسية تعقد بعيداً عن مشاركة الليبيين أو تدار خلف أبواب مغلقة.

وطالب النواب، الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، بضرورة إعادة تقييم أداء البعثة الأممية في ليبيا، مؤكدين أن دورها يجب أن يقتصر على تسهيل الحوار بين الليبيين وليس فرض حلول من الخارج، مؤكدين رفضهم القاطع لتحويل ليبيا إلى ساحة تجارب فاشلة أو فرض نماذج سياسية لا تتوافق مع الخصوصية الليبية، ولا تعكس تطلعات الشعب الليبي في بناء دولة ديمقراطية مستقلة، محملين البعثة الأممية مسؤولية تعقيد المشهد السياسي في البلاد، والمساهمة في إطالة أمد الانقسام، من خلال دعمها لما وصفوه بأطراف متنفذة لا تستند إلى أي شرعية شعبية أو دستورية.

ويرى مراقبون، أن الأزمة جاءت لتستبق الإعلان عن خارطة الطريق التي وعدت رئيسة البعثة، هانا تيتيه، بالكشف عنها رسمياً في أغسطس المقبل.