أثار إعلان تيارات محسوبة على جماعة «الإخوان» في السودان دعمها لإيران موجة واسعة من الانتقادات، وسط تحذيرات من أن هذا الموقف يعكس نمطاً متكرراً من الانتهازية السياسية التي تتجاوز المصالح العربية وتهدد بتوريط السودان في استقطابات إقليمية خطرة، في وقت تمر فيه البلاد بمرحلة سياسية وأمنية شديدة الحساسية.

ويأتي هذا التطور في ظل تصاعد التوتر العسكري في المنطقة، حيث صدرت تصريحات عن شخصيات سودانية مرتبطة بتيارات متطرفة أبدت استعدادها للوقوف إلى جانب إيران، بل تحدثت بعض المواقف عن إمكانية إرسال مقاتلين للمشاركة في القتال إلى جانبها.وقد أثارت هذه التصريحات مخاوف متزايدة من احتمال توسيع رقعة الصراع وجرّ السودان إلى حسابات إقليمية معقدة قد تضعه في مسارات تتجاوز قدرته على التأثير أو التحكم في تداعياتها.

ويرى مراقبون أن هذا التموضع يعكس محاولة من بعض التيارات الإخوانية لإعادة ترتيب أوراقها داخل المشهد السوداني المضطرب منذ اندلاع الحرب الداخلية في عام 2023، مستفيدة من حالة السيولة السياسية والأمنية التي تعيشها البلاد، وكذلك من تنامي نفوذ شبكات متطرفة داخل بعض مفاصل المؤسسة العسكرية.

 طبيعة العلاقة

وتشير تقارير وتحليلات سياسية إلى أن المواقف المؤيدة لإيران تتعارض مع المزاج السوداني والعربي العام الرافض للاعتداءات التي تستهدف دول المنطقة، كما تكشف في الوقت نفسه عن طبيعة العلاقة التي نسجها التنظيم مع طهران خلال مراحل مختلفة من العقود الماضية، رغم التباينات المذهبية والسياسية بين الطرفين.

وحذر خبراء من أن هذا التقارب قد يعيد السودان إلى أجواء العزلة التي عاشها خلال تسعينيات القرن الماضي عندما ارتبطت الخرطوم بتحالفات أيديولوجية أثرت سلباً في علاقاتها العربية والدولية، وأدت إلى تراجع حضورها في محيطها الإقليمي.

وفي ظل الحرب الداخلية المستمرة، يخشى مراقبون من أن تتحول الأراضي السودانية إلى ساحة إضافية للصراعات الإقليمية، خصوصاً مع الحديث عن تنامي النفوذ الإيراني، وهو ما قد يهدد طرق الملاحة الدولية ويزيد من تعقيد المشهد الأمني في المنطقة.

انتهازية واضحة

في هذا السياق، يؤكد المحلل السياسي وخبير العلاقات الدولية د. طارق البرديسي أن إعلان تيارات محسوبة على جماعة «الإخوان:» في السودان تأييدها لإيران في مواجهتها مع دول المنطقة يكشف عن نزعة انتهازية واضحة لدى بعض التنظيمات الأيديولوجية التي تحاول توظيف الأزمات الإقليمية لتعويض تراجعها في الداخل.

ويشير البرديسي إلى أن هذا الخطاب لا يعكس بالضرورة موقفاً وطنياً سودانياً، بقدر ما يمثل محاولة من قوى سياسية فقدت جانباً مهماً من نفوذها خلال السنوات الماضية لإعادة تقديم نفسها عبر بوابة الصراعات الإقليمية. وأنه بدلاً من التركيز على معالجة الأزمة السودانية المعقدة والعمل على إعادة بناء مؤسسات الدولة، تلجأ هذه التيارات إلى تبني مواقف تصعيدية تعمّق الاستقطاب وتضع السودان في مسارات لا تخدم استقراره.

ويضيف أن المفارقة تكمن في أن هذه الجماعات طالما قدمت خطاباً سياسياً يقوم على شعارات الهوية والانتماء، لكنها في لحظات الأزمات لا تتردد في القفز بين المحاور المتصارعة وفق حسابات المصلحة التنظيمية.وبرأيه فإن مثل هذه المواقف تعكس رؤية قصيرة المدى تتجاهل تعقيدات البيئة الإقليمية وحساسية التوازنات في منطقة الخليج.

توجه 

في السياق ذاته، يرى المفكر والباحث السياسي محمود كاربينو أن إعلان بعض الأصوات المحسوبة على جماعة «الإخوان» في السودان دعمها لإيران في عدوانها على دول المنطقة يكشف خللاً واضحاً في قراءة الأولويات العربية، ويعكس في الوقت نفسه توجهاً سياسياً يقوم على  محاولة استثمار الأزمات بدل البحث عن مخارج لها.

ويؤكد كاربينو أن السودان، وهو يمر بإحدى أصعب مراحله السياسية والأمنية، ليس في موقع يسمح له بالدخول في معارك الآخرين أو التورط في اصطفافات إقليمية حادة أو صراعات خارجية غير محسوبة العواقب، إذ يجب أن تنصب الأولوية على استعادة الاستقرار الداخلي وبناء مؤسسات الدولة.

ويشدد كاربينو على أن أمن دول الخليج يمثل جزءاً أساسياً من منظومة الأمن العربي، وأن استقرارها يرتبط بشكل مباشر باستقرار المنطقة ككل، مؤكداً أن أي خطاب يروج للانخراط في صراعات تستهدفها يبتعد عن منطق التضامن العربي الذي تحتاجه المنطقة في هذه المرحلة الدقيقة أكثر من أي وقت مضى.