انتهت رحلة نيكولاس مادورو المثيرة للجدل في سدة الحكم بفنزويلا، والتي استمرت لأكثر من 13 عاماً، بنهاية دراماتيكية اليوم السبت، عقب عملية خاطفة نفذتها القوات الخاصة الأمريكية أدت إلى اعتقاله وإجلائه جوياً خارج البلاد.
مادورو، الذي يبلغ من العمر 63 عاماً، يواجه اليوم مستقبلاً غامضاً خلف القضبان في الولايات المتحدة، حيث يُنتظر أن يمثل أمام القضاء لمواجهة اتهامات ثقيلة تتعلق بالاتجار بالمخدرات.
وُلد مادورو في 23 نوفمبر 1962، ونشأ في حي "إل فالي" الكادح بالعاصمة كاراكاس، بدأت بوادر شخصيته القيادية تظهر مبكراً كرئيس لاتحاد الطلاب، ورغم غياب سجلات تخرجه الجامعي، إلا أن رحلته إلى كوبا عام 1986 شكلت وعيه الأيديولوجي الوحيد بعد المرحلة الثانوية، عاد بعدها ليعمل سائق حافلة في كاراكاس، مقتفياً أثر والده كزعيم نقابي، قبل أن يربط مصيره السياسي بمصير معلمه "هوغو تشافيز" في منتصف التسعينيات.
بفضل ولائه المطلق، تدرج مادورو سريعاً في المناصب؛ من الجمعية الوطنية إلى وزارة الخارجية، وصولاً إلى منصب نائب الرئيس، وفي عام 2013، ومع رحيل تشافيز، تسلم "الرجل ذو الشارب الكثيف" الأمانة الثقيلة كخليفة مختار، ليفوز بولايته الأولى بفارق ضئيل، متحدياً سخرية معارضيه الذين وصموه حينها بالافتقار للكاريزما والاكتفاء بترديد شعارات سلفه.
لم تكد تبدأ رئاسته حتى انزلقت البلاد نحو نفق مظلم من الأزمات، وواجه مادورو احتجاجات عارمة قادتها المعارضة، وعلى رأسها ماريا كورينا ماتشادو، قوبلت بقمع أمني عنيف أدى لسقوط عشرات القتلى، ومع خسارة حزبه السيطرة على البرلمان في 2015، لجأ مادورو إلى المناورة السياسية بتأسيس "جمعية تأسيسية" موالية له في 2017 لتحييد خصومه، وهو ما فجّر موجات عنف جديدة وضعت اسمه ونظام حكمه تحت مجهر المحكمة الجنائية الدولية بتهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية.
داخلياً، عانت فنزويلا في عهده من انهيار اقتصادي غير مسبوق؛ حيث سحق التضخم المفرط العملة المحلية، وهبط إنتاج النفط إلى مستويات تاريخية (أقل من 400 ألف برميل يومياً)، مما دفع الملايين للفرار من البلاد هرباً من الفقر والقمع.
المواجهة والنهاية
اتسمت علاقة مادورو بالولايات المتحدة بالعداء الصريح، حيث اتهم واشنطن مراراً بالسعي لتقويض ثورته الاشتراكية، ورغم العقوبات القاسية التي فرضتها إدارة ترامب الأولى، استطاع مادورو الصمود بفضل قاعدة دعم عسكرية قوية.
إلا أن المشهد تغير جذرياً في يناير 2025؛ فبعد انتخابات مشكوك في نزاهتها عام 2024 أدت لتنصيبه لولاية ثالثة، تزامنت عودة دونالد ترامب للبيت الأبيض مع تصعيد عسكري أمريكي واسع في الكاريبي تحت لافتة "مكافحة إرهاب المخدرات".
اليوم، يقف مادورو وحيداً بعيداً عن قصره "ميرا فلوريس"، وبجانبه زوجته وشريكته في النفوذ سيليا فلوريس التي اعتُقلت هي الأخرى، ومع طي هذه الصفحة، يرى مراقبون أن مهارات مادورو التكتيكية التي مكنته من مفاجأة خصومه لسنوات، قد استنفدت طاقتها أمام الحزم العسكري الأمريكي، لتبدأ فنزويلا مرحلة محاسبة طويلة على سنوات من الفساد وسوء الإدارة.
