في قارة لا تهدأ فوق خطوط التماس بين الثروة والفقر، وبين الدولة العميقة والحلم الديمقراطي، تولد الانقلابات في أفريقيا كما لو كانت فصلاً ثابتاً في كتاب تتبدل فيه الوجوه، ولا تتغير القواعد.
شهدت بنين، الواقعة غرب أفريقيا، إحباط محاولة انقلاب، قادها عسكريون، بعد أسبوعين من نجاح أخرى في غينيا بيساو كانت التاسعة في المنطقة منذ عام 2020، والحادية عشرة منذ 2015.
وأعلنت الرئاسة الفرنسية، أمس، أن باريس قدمت دعماً لوجستياً واستخبارياً للقوات المسلحة في بنين، لمواجهة محاولة انقلاب عسكري جرت نهاية الأسبوع الماضي، قبل أن تفشلها السلطات في كوتونو.
وأوضح الإليزيه أن المساعدة الفرنسية جاءت بطلب مباشر من السلطات البنينية، وشملت «المراقبة، والرصد، والدعم اللوجستي»، في إطار مواجهة التحركات الانقلابية، التي استهدفت الرئيس باتريس تالون.
ومنذ اللحظة الأولى لإطلاق مدبري الانقلاب طلقاتهم في العاصمة طلبت السلطات البنينية دعماً عاجلاً من دولتين أساسيتين في المنطقة وهما: نيجيريا وساحل العاج، ولم تتردد الدولتان في تلبية النداء، لكنهما حرصتا على أن يتم أي تحرك عبر الإطار المؤسسي لإيكواس، وفق ما نقلت «إذاعة فرنسا الدولية».
وتشكلت القوة الإقليمية من 4 دول هي: نيجيريا وغانا وساحل العاج وسيراليون، وقد ساعدت هذه القوة المشتركة في تنفيذ تدخل سريع وفعال ضد مدبري الانقلاب، لكن العامل الحاسم – بحسب مصادر عدة – كان الدعم الاستخباراتي الميداني الذي قدمته فرنسا.
وينظر إلى تدخل فرنسا في بنين على أنه رسالة سياسية تؤكد استمرار حضورها في المنطقة، رغم تراجع نفوذها في بعض الدول المجاورة، بعد انسحاب قواتها من مالي والنيجر، ومع تبدل خرائط النفوذ الدولي، واشتداد التنافس على ثروات القارة السمراء ومواردها النادرة، يكشف المشهد الأفريقي أن الانقلابات العسكرية ليست حدثاً عابراً، بل نتيجة مركبة لعقود من الهشاشة والاضطرابات والصراعات الإقليمية والدولية.
على مدى العقدين الأخيرين شهدت أفريقيا عودة واضحة للانقلابات العسكرية بعد فترة هدوء نسبي في تسعينيات القرن الماضي، فقد أطاحت الجيوش بحكومات مدنية في كل من مالي (2020 و2021)، وغينيا (2021)، وبوركينا فاسو (2022)، والنيجر (2023)، إلى جانب محاولة انقلابية في الغابون، ومحاولة في غينيا بيساو.
10 محاولات انقلابية في أفريقيا خلال 5 سنوات فقط منذ استقلال الدول الأفريقية عن الاستعمار البريطاني والفرنسي تجاوز عدد الانقلابات العسكرية المعلن عنها 215 محاولة، نجح نصفها تقريباً في إزاحة الأنظمة الحاكمة، فيما تم إحباط النصف، وبهذا باتت البيئة السياسية الأفريقية أكثر مناطق العالم تعرضاً للانقلابات العسكرية.
هذا التتابع السريع يثير دوماً تساؤلات حول قدرة الأنظمة السياسية الأفريقية على ترسيخ الديمقراطية، وحول مدى استعداد المؤسسات المدنية، لمواجهة الأزمات الأمنية والاقتصادية المتفاقمة.
وبحسب خبراء في الشؤون الأفريقية تظهر التجارب الحديثة أن العامل الأمني كان المحرك الأول لأغلبية الانقلابات، خصوصاً في منطقة الساحل التي تحولت إلى أكثر مناطق العالم هشاشة، ففي مالي والنيجر وبوركينا فاسو أدى تمدد الجماعات المسلحة المرتبطة بـ«القاعدة» و«داعش»، وضعف الأجهزة الحكومية، وانهيار قدرات الدولة، إلى فقدان الثقة الشعبية بالحكومات المدنية.
واستغل العسكريون هذا الانهيار، لتقديم أنفسهم كونهم منقذين، معتبرين أن المدنيين فشلوا في وقف النزيف الأمني وتأمين المواطنين، وهو خطاب وجد أرضاً خصبة لدى قطاعات واسعة من الشارع.
الفساد وسوء الحكم
العامل الأمني لم يكن وحده فالأزمات السياسية واحتكار السلطة وتعديل الدساتير للبقاء في الحكم كلها عوامل غذت الاحتقان الشعبي.
في غينيا جاء انقلاب 2021 بعد تعديل الدستور لتمديد حكم الرئيس ألفا كوندي، وفي الغابون أطاح العسكر حكم عائلة «بونغو» الممتد لعقود، بعد انتخابات شابها الكثير من الشكوك.
الشارع الأفريقي بات يرى في الانقلاب «فرصة أخيرة» لتغيير أوضاع فشلت السياسة التقليدية في إصلاحها.
وبحسب الخبراء لا يمكن قراءة الانقلابات بمعزل عن التنافس الدولي داخل القارة.
فرنسا التي كانت اللاعب الأكثر تأثيراً في الساحل تراجع نفوذها بشدة مع تصاعد الرفض الشعبي لها، وانسحاب قواتها من مالي والنيجر.
في المقابل صعد الدور الروسي عبر مجموعات، فيما تنافس الولايات المتحدة والصين على النفوذ السياسي والاقتصادي.
هذا الفراغ الدولي والتداخل الإقليمي سهل تحرك الجيوش المحلية، التي أدركت أن العقوبات وحدها لن تمنعها من الوصول إلى السلطة.
لماذا تحدث الانقلابات؟
في السياق هذا يرى خبير الأمن القومي والشؤون الأفريقية اللواء محمد عبدالواحد أن فهم ظاهرة الانقلابات يبدأ من تحديد مفهومها، فهي – كما يؤكد –«محاولة غير قانونية يقوم بها الجيش أو بعض المسؤولين لتغيير نظام الحكم أو إزاحة قياداته».
ويشير إلى أن القارة الأفريقية شهدت منذ الاستقلال أكثر من 200 انقلاب بين محاولات ناجحة، وأخرى فاشلة، ما يجعلها المنطقة الأكثر تعرضاً لهذه الظاهرة في العالم.
ويقول عبدالواحد: «إن وتيرة الانقلابات كانت مرتفعة في العقود الماضية، لكنها تراجعت بعد تفكك الاتحاد السوفييتي، حين بدأت الدول الغربية في دعم نشر الديمقراطية، ورصد حوافز للدول الملتزمة بها، مقابل فرض عقوبات صارمة على الأنظمة العسكرية. هذا التغيير أدى إلى انخفاض ملحوظ في الانقلابات خلال العقدين التاليين»، لكن نقطة التحول – كما يوضح – كانت أحداث 11 سبتمبر التي غيرت رؤية الغرب للديمقراطية. ويوضح أن الغرب أدرك أن الانتخابات الحرة قد تأتي بقوى الإسلام السياسي، مستشهداً بتجربة الجزائر في التسعينيات، وفوز حماس، وصعود الإخوان في مصر عام 2012، ونتيجة لذلك قلص الغرب دعمه للديمقراطية، وفتح الباب أمام عودة الانقلابات.
ويضيف عبدالواحد أن الانقلابات لا تنشأ بسبب واحد، بل نتيجة مجموعة عوامل متشابكة، أبرزها هشاشة الدولة الأفريقية، ويشرح أن الهشاشة تقاس بمؤشرات مثل الاستبداد، وتراجع حقوق الإنسان، وضعف سيادة القانون، وتدهور الاقتصاد، وانتشار الفقر، وضعف التنمية. وهذه العوامل – كما يقول – موجودة بشكل واسع في العديد من الدول الأفريقية، كما يشدد على أن فشل الحكومات المدنية في إدارة الدولة يشجع الجيوش على التدخل، خصوصاً أن الجيوش الأفريقية كانت جزءاً من العملية السياسية منذ مرحلة التحرر الوطني، ويؤكد أن توتر العلاقات بين المدنيين والعسكريين يمثل محفزاً مباشراً لحدوث الانقلابات.
ويتابع الخبير: «إن الاضطرابات الأمنية وانتشار الإرهاب يوفران بيئة مثالية للانقلابات، وكلما تراجعت قدرة الدولة على فرض الأمن زادت فرص تدخل الجيش، كما يلفت إلى أن الأزمات الاقتصادية الحادة قد تجعل الشعوب نفسها ترحب بالتغيير العسكري أملاً بتحسن أوضاعها».
ويضيف: «إن الشركات متعددة الجنسيات تلعب دوراً خفياً عبر دعم أنظمة انقلابية مقابل امتيازات في مجالات التعدين والنفط والموارد النادرة».
الساحل الأفريقي
بينما يقدم السفير صلاح حليمة، نائب رئيس المجلس المصري للشؤون الأفريقية، قراءة أعمق لمنطقة الساحل، التي شهدت منذ عام 2023 تحولات كبرى، حيث وقعت ثمانية انقلابات في ثلاث سنوات، معظمها داخل نطاق النفوذ الفرنسي التقليدي.
ويقول، إن الانقلابات في مالي والنيجر وبوركينا فاسو شكلت نقطة تحول؛ إذ جاءت في ظل تراجع النفوذ الفرنسي، وتنامي الرفض الشعبي لباريس.
ويضيف أن الأنظمة الحاكمة الموالية لفرنسا، والتي ورثت نموذج ما بعد الاستعمار، فشلت في تحقيق تنمية ملموسة، كما لم تنجح المقاربات العسكرية الفرنسية – رغم الدعم الأممي والأمريكي – في احتواء «داعش» و«القاعدة».
ويشير حليمة إلى أن هذه البيئة أدت إلى صعود جيل جديد من القادة العسكريين الشباب الذين استثمروا غضب الشعوب، خصوصاً فئة الشباب، للاستيلاء على السلطة تحت شعارات معادية لفرنسا ومؤيدة للسيادة الوطنية.
ويؤكد أن القوى الدولية تعاملت مع الساحل بثلاث رؤى:
فرنسا: الحفاظ على المصالح التقليدية تحت شعار مكافحة الإرهاب.
الولايات المتحدة: منع تمدد روسيا والصين.
الاتحاد الأوروبي: التعامل مع الهجرة غير الشرعية والجريمة المنظمة باعتبارها تهديداً مباشراً لأمنه.
ويضيف السفير صلاح حليمة أن موقف «الإكواس» من الانقلابات كان صارماً، إذ علقت عضوية مالي والنيجر وبوركينا فاسو، وفرضت عقوبات ولوحت بالتدخل، لكن الدول الثلاث ردت بإعلان تحالف ليبتاكو–جورما، الذي يمثل اتجاهاً استراتيجياً نحو التعاون الدفاعي والاقتصادي، والابتعاد عن الغرب، والاقتراب من روسيا والصين.
ويؤكد أن انسحاب القوات الفرنسية والأمريكية خلق فراغاً واسعاً، استغلته التنظيمات المتطرفة، لتوسيع نفوذها بينما الجيوش المحلية غير قادرة على مواجهتها، ما ينذر – وفق تقديره – بمرحلة انتقالية مضطربة ستظل فيها التنمية بطيئة، والأمن هشاً.
إعادة تشكل سياسي وأمني
أما خبير الشؤون الأفريقية د. رامي زهدي فيوضح أن القارة تشهد موجة غير مسبوقة من الانقلابات، تعكس مرحلة إعادة تشكل سياسي وأمني، تتداخل فيها الأزمات الداخلية مع تنافس القوى الدولية.
ويقول، إن خريطة التحالفات الأفريقية تتغير بسرعة، مع تراجع نفوذ القوى التقليدية، وصعود الدورين الروسي والصيني، ما يعيد رسم توازنات القوة في القارة.
ويشير إلى أن السبب الجوهري للانقلابات هو فشل الدولة الوطنية في تحقيق معادلة الأمن + التنمية + العدالة.
ويؤكد أن تراجع ثقة الشارع بالنخب السياسية، واتساع الفساد، وضعف المؤسسات، وتضخم دور الجيوش، كلها عوامل تدفع نحو الانهيار السياسي، كما أن تمدد الإرهاب في الساحل، والصراعات الحدودية، وتعدد مراكز القوى داخل الدولة، تخلق بيئة خصبة للسقوط المتكرر للأنظمة.
ويقول زهدي، إن الانقلابات ليست دائماً صنيعة الخارج، لكنها – في معظم الأحيان – تتقاطع مع مصالحه، فالقوى الدولية تسعى لإعادة التموضع الاقتصادي والعسكري، والشركات الأمنية واقتصاد الظل يلعبان أدواراً متزايدة في إدارة مناطق النفوذ.
ويضيف: «الخارج لا يصنع الانقلاب دائماً، لكنه يستثمره ويعيد توجيهه».
ويؤكد أن الانقلابات تبدأ عادة بشعارات وطنية إصلاحية، لكنها تنتهي بتعميق التبعية للخارج، عبر صفقات أمنية واقتصادية تبقي الدولة في دائرة الارتهان.
ويختم زهدي بالقول: «الانقلاب يغير رأس السلطة، لكنه لا يغير جذور الأزمة ما لم تبنَ دولة حديثة تقوم على العدالة والتنمية والحوكمة الرشيدة».