ولد جيم باتيسون في الأول من أكتوبر سنة 1928 في مدينة ساسكاتون الكندية، لأسرة فقيرة فرضت عليه أحوالها المادية الصعبة أن يتجه إلى العمل في سن مبكرة لينفق على نفسه ولا يكلفهم مصروفات تعليمه، ولم يجد عملاً غير العزف على آلة البوق التي يحبها في أماكن التخييم الصيفية، الأمر الذي كان بالنسبة إليه بمثابة تسول مقنّع، وزاد على ذلك أنه لم يدر عليه المال كما كان يظن، فترك الخيام وأهلها، وألقى بنفسه وسط دائرة من الأعمال البسيطة؛ مثل توصيل الصحف إلى البيوت، وقطف وجمع الفواكه في المزارع، وحمل حقائب نزلاء الفنادق، لكنه كان عملاً موسمياً، فتركه عندما مر بمحطة وقود قريبة من الفندق ووجد إعلاناً يطلب عاملاً بأجر يومي، لكنه كالعادة لم يستمر كثيراً فيه قبل أن يلتحق بعمل آخر في محل لبيع الكعك «الدونتس» حتى أنهى مرحلة الدراسة الثانوية.
يقول باتيسون عن تلك الرحلة الطويلة من الشقاء: لا أنكر أنني تعبت جداً وعانيت، لكن ذلك كان له وجهه الآخر و«ضوؤه الخفي»؛ فقد أكسبني عملي بكل هذه الأعمال المختلفة مهارات التواصل مع الجمهور، وتعلمت كيف أرد على كل عميل وأقنعه بأن الخدمة التي أقدمها له لن يجد مثلها في مكان آخر.
بناء الجسور
كان على باتيسون أن يكمل تعليمه ويدرس بالجامعة، وكانت أحوال أسرته المادية لا تزال متدنية، فاضطر إلى مواصلة العمل بفترة الصيف للإنفاق على نفسه، وعاد إلى ممارسة الأعمال الصغيرة أياً كان مستواها، حيث عمل فترة في تعليب الحلوى والفواكه المصنعة، ثم في شركة مقاولات مختصة ببناء الجسور، لكنه وجد هذا العمل يستنزف صحته ووقته، فتركه ليعمل بورشة للسيارات المستعملة، وكان كل عمله يتمثل في تنظيف السيارات وغسلها يومياً.
فاتحة خير
لم يكن باتيسون يعلم أن هذا العمل سوف يفتح له باب الربح الواسع من تجارة السيارات، حيث تعلم فنون بيع وشراء المستعمل منها، وعندما حانت له الفرصة، باع أول سيارة لوكالة كبرى مختصة بهذا المجال، ومن وكالة إلى أخرى كون شبكة علاقات جيدة.
وعندما بدأ العام الدراسي انتظم في الدراسة بجامعة كولومبيا، لكنه وجد أن الدراسة سوف تعيقه عن شغفه الوحيد؛ تجارة السيارات، فترك الدراسة ليحقق حلمه الخاص، وقرر تأسيس معرض سيارات، واستطاع الحصول على قرض من البنك يبلغ ضعف المبلغ المسموح باقتراضه آنذاك، وهو 40 ألف دولار كندي، اعتماداً على مهاراته في الإقناع التي اكتسبها من تاريخه الطويل في الأعمال الصغيرة، وبالقرض الذي حصل عليه توجه من فوره إلى شركة «جينرال موتورز» واستطاع إقناعهم بعقد شراكة تجارية وافتتح معرضه الخاص لبيع السيارات المستعملة، وحصل على توكيل بيع طرازي «بونتياك» و«بويك» اللذين تصنعهما الشركة، وخلال وقت قياسي صار أكبر بائع للسيارات المستعملة في غربي كندا، وبعد سنوات عدة، حقق لقب «أكبر مقدم خدمة لتأجير وإدارة السيارات في البلاد»، ونجح في استقطاب الآلاف من المهتمين بعالم السيارات المستعملة.
كان من المنطقي أن يتجه باتيسون إلى الاستحواذ على معارض وشركات بيع السيارات ليوسع من تجارته، لكنه كان يغرد بفكره الاستثماري خارج الصندوق، وقرر اتباع سياسة شراء المؤسسات الناجحة أياً كان نشاطها، مع الحرص على إسناد الإدارة لذوي الكفاءة والخبرة ليضمن استمرار النجاح، واشترى في سنة 1965 إذاعة «سي جيه أوو آر»، وخلال سنوات استحوذ على محطات إذاعية وتلفزيونية أخرى، وطوال نصف قرن؛ أي حتى سنة 2015، ظل باتيسون يتبع هذه السياسة، حتى إن مجلة «فوربس» نشرت عنه تقريراً يقول إنه اشترى طوال مسيرته ما يزيد على 200 شركة «ناجحة» تعمل في 25 قطاعاً متنوعاً، ويعمل بها نحو 45 ألف موظف موزعين بدول مختلفة، ونتيجة ذلك تجاوزت مجموعة شركاته في قيمتها السوقية 8 مليارات دولار؛ حيث استحوذ على شركات تعمل في قطاعات مختلفة: من الدعاية إلى تجارة الجملة والتعبئة، إلى إنتاج المعدات الزراعية، وغيرها، كما أسس سلسلة سوبر ماركت كبرى، وسلسلة متاجر لبيع مستلزمات صيد السمك.
وكما هو معتاد في قفزاته وشطحاته، اشترى فرقاً رياضية؛ منها فريق «فانكوفر بليزرز» للهوكي.
وفي سنة 1986 أصبح رئيس معرض فانكوفر العالمي، الذي صار تحت إدارته من أشهر المعارض العالمية حتى الآن.
الأعمال الخيرية
وما ميز باتيسون حبه للأعمال الخيرية، وحصل على وسام الاستحقاق الفخري في بلده كندا لكونه «من أكثر رجال الأعمال تبرعاً للمجتمع المدني»؛ كما حصل على لقب «أكثر الشخصيات سخاءً في تاريخ كندا»؛ فقد تبرع بملايين الدولارات للمؤسسات الخيرية والمستشفيات، ومنها مستشفى فانكوفر، وما زال يخصص حتى الآن 10% من أرباحه السنوية لهذه الأعمال.