بينما يحتفل العالم اليوم، 24 أكتوبر، بيوم الأمم المتحدة والذكرى الحادية والثمانين لدخول ميثاقها حيز التنفيذ، لا تمر المناسبة هذا العام باعتبارها محطة لاسترجاع تاريخ المنظمة فحسب، فبعد أكثر من ثمانية عقود على تأسيسها، تدخل الأمم المتحدة مرحلة تحاول فيها إعادة النظر في الطريقة التي تعمل بها من الداخل، وسط عالم تتسع فيه النزاعات والأزمات الإنسانية، وتتسارع فيه التكنولوجيا، بينما تصبح الموارد أكثر ضغطاً والمهام أكثر تعقيداً. 

السؤال الذي يرافق الذكرى هذه المرة يبدو عملياً أكثر من كونه احتفالياً، فكيف يمكن لمنظمة تأسست عام 1945 أن تعيد تشكيل نفسها لتناسب تحديات 2026؟

الإجابة التي تعمل عليها المنظمة تحمل اسم مبادرة «الأمم المتحدة 80»، وهي عملية إصلاح أطلقها الأمين العام غوتيريش في مارس 2025، بهدف جعل منظومة الأمم المتحدة أكثر فاعلية وتماسكاً وقدرة على الإنجاز، وبعد مرحلة التشخيص، انتقلت المبادرة خلال 2026 بصورة متزايدة إلى مرحلة التنفيذ. 

ولا يأتي الإصلاح في ظرف عادي، ففي رسالته بمناسبة يوم الأمم المتحدة هذا العام، رسم غوتيريش صورة مباشرة للعالم الذي يفترض بالمنظمة التعامل معه: نزاعات تهز العالم، وأزمة مناخ، وتفاوتات متصاعدة، وتقنيات تتطور بوتيرة أسرع من القدرة على وضع الأطر الحاكمة لها.

واختصر الرسالة التي يريد إعادتها إلى قلب المنظمة بثلاثة خيارات: الحوار بدلاً من الانقسام، والتعاون بدلاً من المواجهة، والتضامن بدلاً من الخوف. 

لكن الدعوات السياسية شيء، وإعادة بناء مؤسسة دولية بهذا الحجم شيء آخر، لذلك تركز عملية الإصلاح الحالية على ثلاثة مسارات مترابطة: رفع الكفاءة وتحسين طرق العمل، مراجعة كيفية إنشاء وتنفيذ التفويضات التي تحصل عليها المنظمة من الدول الأعضاء، والنظر في تغييرات أوسع في البرامج والهياكل.

الفكرة في جوهرها هي أن تعيد الأمم المتحدة النظر ليس فقط في مقدار الأموال التي تنفقها، إنما في كيفية استخدامها، وكيف تتوزع المسؤوليات، وما إذا كانت بعض المهام والهياكل التي تراكمت على مدى عقود لا تزال تعمل بأفضل صورة ممكنة.

وهذه ليست مراجعة صغيرة، فالموقع الرسمي لمبادرة «الأمم المتحدة 80» يعرض حالياً 86 إجراءً موزعة على 31 حزمة عمل، تشمل مجالات تتراوح بين العمل الإنساني والتكنولوجيا والبيانات، وصولاً إلى إدارة المعرفة والنتائج داخل المنظومة.

وتقول المنظمة إن الغاية هي تقليل التشتت والازدواجية وتعزيز قدرتها على العمل بصورة أكثر ترابطاً على المستويين الإقليمي والوطني. 

الأرقام بدأت بدورها تعكس حجم التحول، ففي يونيو الماضي، قال غاي رايدر، وكيل الأمين العام للسياسات ورئيس فريق عمل «الأمم المتحدة 80»، إن الميزانية البرنامجية المعتمدة للأمانة لعام 2026 أصبحت أقل بنسبة 9.2% من حيث القيمة المالية، بالتزامن مع إدخال أساليب عمل جديدة وإجراءات لرفع الكفاءة. 

لكن خفض النفقات وحده ليس الهدف، فأحد أكثر الملفات تعقيداً يتعلق بما تسميه المنظمة «التفويضات»، أي القرارات والمهام التي تُكلَّف بتنفيذها.

ووفق رايدر، فإن الإصلاح يستهدف تغيير دورة التعامل معها، من طريقة إنشائها وتحديد المسؤوليات والموارد المرتبطة بها، إلى قياس النتائج والمساءلة وحتى تقرير ما إذا كان ينبغي إنهاء بعض التفويضات. 

ووراء هذه النقاشات الإدارية سؤال أكبر يتعلق بما ينتظره العالم من الأمم المتحدة أصلاً، فالمنظمة التي وُلدت في أعقاب الحرب العالمية الثانية لم تعد تعمل فقط في فضاء منع النزاعات والدبلوماسية الدولية.

رسالة غوتيريش للمناسبة هذا العام تذكّر باتساع نطاق عمل منظومتها، من السلام وحقوق الإنسان والمساعدات الإنسانية إلى الصحة والتجارة والنقل والتكنولوجيا والمناخ وتمكين النساء والفتيات. 

وفي المقابل، تتسع المسافة بين الطموحات الدولية والنتائج المحققة في بعض الملفات.

ويقدم تقرير الأمم المتحدة لعام 2026 بشأن أهداف التنمية المستدامة مثالاً واضحاً: فمن بين 139 هدفاً تتوافر عنها بيانات للاتجاهات، كان 36% فقط على المسار الصحيح أو يحقق تقدماً متوسطاً، بينما سجل 49% تقدماً هامشياً، وتراجع 15% إلى ما دون مستويات عام 2015. 

ورغم ذلك، لا تروي الأرقام قصة تراجع فقط، فالتقرير نفسه يشير إلى اتساع نطاق الحماية الاجتماعية ليشمل أكثر من نصف سكان العالم بشكل واحد على الأقل، وإلى انخفاض الوفيات المرتبطة بالكوارث بنسبة 65% مقارنة بالعقد السابق، فضلاً عن وصول عدد الدول التي اعتمدت استراتيجيات وطنية للحد من مخاطر الكوارث إلى 141 دولة. 

وهنا تظهر المفارقة التي تجعل ذكرى هذا العام مختلفة، فبعد 81 عاماً، لا تحاول الأمم المتحدة إثبات أنها لا تزال موجودة، بقدر ما تحاول الإجابة عن سؤال أكثر صعوبة: كيف تجعل وجودها أكثر فاعلية؟

فالمنظمة التي صُممت لعالم خرج لتوه من حرب عالمية أصبحت مطالبة اليوم بالتعامل في الوقت نفسه مع النزاعات، والتنمية، والأزمات الإنسانية، والمناخ، والحقوق، والبيانات، والتكنولوجيا. والإصلاح الحالي يحاول، بحسب تصور المبادرة، تقليل التشتت وربط هذه الأجزاء بصورة أفضل، في وقت تصفه المنظمة بأنه يشهد ارتفاع الاحتياجات وتقلص الموارد. 

ولهذا، تبدو الذكرى الحادية والثمانون أقل شبهاً بعيد ميلاد مؤسسي وأكثر شبهاً بلحظة مراجعة، ففي يوم تحتفل فيه الأمم المتحدة بمرور أكثر من ثمانية عقود على الفكرة التي أوجدتها، تعمل المؤسسة نفسها على اختبار قدرتها على التغير.