تأثير المخاوف على الأسواق
في حديث موسع ومفصلي أدلى به لمنصة «بوليتيكو» ضمن إطلاق النشرة والبودكاست التكنولوجي الجديد «Decoded»، وجّه سام ألتمان، المدير التنفيذي لشركة OpenAI، انتقادات لاذعة وحادة لإنفاق شركات الذكاء الاصطناعي في السباق السياسي الأمريكي، مؤكداً أن تدفق أموال هذا القطاع إلى الحملات الانتخابية لانتخابات منتصف الولاية لعام 2026 «ليس مجدياً بشكل واضح»، ويُظهر نوعاً من الانفصال عن الواقع لدى بعض أقطاب التكنولوجيا.
وأوضح ألتمان أنه شخصياً توقف عن التبرع المباشر للمرشحين السياسيين نظراً لطبيعة التعاملات المستمرة بين شركته والحكومة الأمريكية، داعياً إلى وضع أطر تشريعية وقانونية جديدة تحدد مسؤوليات الشركات بشكل واضح عند وقوع هجمات سيبرانية ذاتية أو اختراقات تنفذها نماذج الذكاء الاصطناعي المستقلة، معتبراً أن العالم مطالب بوجود مسار مسؤول يوازن بين مكاسب التقنية والحد من مخاطرها الكبرى دون الشلل التنظيمي.
ولم تقتصر تصريحات ألتمان على الداخل الأمريكي والإنفاق السياسي، بل فتحت الباب مجدداً أمام الانقسام العميق المتزايد بين شركات التكنولوجيا الكبرى؛ حيث انتقد بوضوح المقاربة الأمنية المتشددة التي تتبناها منافستها شركة Anthropic برئاسة داريو أمودي.
وفي الوقت الذي دعا فيه أمودي إلى إبطاء تسارع تطوير النماذج الفائقة وتركيز السيطرة لدى مختبرات محدودة ومغلقة، وصف ألتمان هذا المقترح بأنه «مقايضة غير مقبولة على الإطلاق»، مشدداً على ضرورة أن تظل التقنية متاحة للعامة، مع قبوله بوقوع بعض السلبيات أو الأخطاء المحدودة كحوادث الاحتيال الإلكتروني والاختراقات في مقابل الفوائد الاقتصادية والمجتمعية الهائلة التي تحققها التقنية للمستخدمين.
وفي المقابل، سارعت شركة Anthropic للتأكيد على أن ضوابطها المقترحة تستهدف فقط النماذج الفائقة ذات القدرات المتقدمة خطيرة الإمكانات، ما أظهر اتساع الشقاق بين استراتيجيتين تتنافسان على تشكيل القوانين الفيدرالية في واشنطن.
تأتي هذه السجالات في وقت أصبحت فيه تقنيات الذكاء الاصطناعي تقع في قلب الصراع الجيوسياسي والتنافس التقني الحاد بين واشنطن وبكين، وتحولت الشركات المطورة لهذه النماذج من مجرد مشروعات استثمارية إلى أدوات سيادية للنفوذ والأمن القومي.
فبينما تسعى الإدارة الأمريكية إلى تشديد القيود على رقائق المعالجة المتطورة وتوجيه الشركات نحو مبادئ أمنية موحدة بالبيت الأبيض، تتسارع خطى الصين للوصول إلى اكتفاء ذاتي وتطوير نماذج ذكاء اصطناعي سيادية خالية من التبعية للتقنيات الغربية.
هذا الصراع المحموم حول من يمتلك زمام «الذكاء الخارق» وضع عمالقة التكنولوجيا مثل OpenAI وAnthropic وGoogle وNvidia في خط المواجهة المباشر مع المشرعين، حيث تجد هذه الشركات نفسها مطالبة بالتوفيق بين متطلبات الابتكار وسباق التسليح الرقمي من جهة، والضغوط السياسية والانتخابية والتشريعية المتزايدة في العواصم الكبرى من جهة أخرى.
وقد أثارت تحذيرات ألتمان والسجال المحتدم حول النفوذ السياسي للذكاء الاصطناعي موجة واسعة من التحليلات والتغطيات في الصحافة والصحافة الاقتصادية العالمية، التي رصدت تفاقم المخاطر والتحديات الجيوسياسية والتنظيمية التي تحيط بالقطاع.
حيث كشفت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأمريكية عن حالة التفارق والتباين العميق داخل أروقة صناعة التكنولوجيا نفسها، مشيرة في تقرير تحليلي إلى أن النقاشات التي شهدها البيت الأبيض مؤخراً أظهرت وجود شرخ واضح بين الرؤساء التنفيذيين؛ إذ يتخوف المستثمرون وقادة القطاع من أن يؤدي التهويل من مخاطر الذكاء الاصطناعي أو تسييس القطاع إلى إبطاء وتيرة الاستثمارات الرأسمالية والحد من القدرة التنافسية للولايات المتحدة في مواجهة النماذج الصينية المتسارعة.
وفي السياق ذاته، سلطت صحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية الضوء على البعد الاقتصادي والتنظيمي، مشيرة إلى أن تحول الذكاء الاصطناعي إلى ورقة ضغط سياسية في انتخابات 2026 يزيد من حالة عدم اليقين لدى المستثمرين. وأوضحت الجريدة الاقتصادية أن مطالبة ألتمان بإطار مسؤولية قانونية يخص الاختراقات السيبرانية تعكس مخاوف حقيقية لدى البنوك والشركات الكبرى من التبعات المالية والقانونية التي قد تترتب على استخدام وكلاء الذكاء الاصطناعي المستقلين في بيئات العمل الحساسة.
أما مجلة «فوربس» الأمريكية، فقد ركزت في تغطيتها على تحول شركات الذكاء الاصطناعي إلى بيادق في ملعب الصراع الجيوسياسي بين واشنطن وبكين.
وأضافت المجلة التخصصية أن الضغوط الحكومية الممارسة على شركات سيليكون فالي لتقديم تنازلات أمنية واستيعاب المبادرات الرئاسية أثبتت أن استقلالية القطاع الخاص باتت تتآكل، حيث لم تعد هذه الشركات مجرد صانعة للتكنولوجيا، بل أداة رئيسية لتحديد معادلات القوة الاقتصادية والعسكرية في العالم.
وفي قراءة أوروبية متأنية، اعتبرت صحيفة Handelsblatt الاقتصادية الألمانية أن محاولات الشركات الأمريكية السيطرة على التشريعات وضخ الأموال في العملية السياسية تعكس القلق من التنظيمات الصارمة، لافتة إلى أن أوروبا تراقب عن كثب هذه الخلافات بين OpenAI وAnthropic؛ إذ ترى بروكسل في هذه السجالات تأكيداً على صحة توجهها نحو فرض أطر تنظيمية وإلزامية حازمة على النماذج الفائقة للحد من سوء الاستخدام، ولحماية الأسواق العالمية من الهزات السياسية والأمنية المتوقعة.