في خضم الاستعدادات المحمومة لخوض انتخابات منتصف الولاية لعام 2026 في الولايات المتحدة، يسجل المشهد السياسي الأمريكي تحولاً جوهرياً يعيد تشكيل التحالفات التاريخية بين الحزب الجمهوري ومجتمع المال والأعمال في «وول ستريت».
وفقاً لتقرير مفصل نشرته صحيفة «بوليتيكو»، شهدت الحملات الانتخابية للجمهوريين في مختلف الولايات موجة تصاعدية غير مسبوقة من الخطاب الشعبي الحاد الموجه ضد الشركات الكبرى، وعمالقة القطاع المالي، وشركات الأدوية الضخمة، وكبريات شركات التكنولوجيا.
هذا الصعود للتيار المناهض للتكتلات الاحتكارية بين أروقة اليمين الأمريكي لم يعد يقتصر على جناح أقصى اليمين، بل بات نهجاً تبناه مرشحو التيار الرئيسي في الحزب؛ حيث يرى نواب ومرشحون جمهوريون أن استهداف النفوذ المالي للشركات الكبرى بات يجذب قواعد شعبية واسعة ترى في هذه المؤسسات خصماً للمواطن العادي.
وتبرز مظاهر هذا التغير بشكل جلي في الخطاب الميداني والإعلانات الانتخابية للمرشحين؛ ففي ولاية أركانساس، يركز النائب الجمهوري فرنش هيل، رئيس لجنة الخدمات المالية بمجلس النواب، إعلاناته على جهوده للحد من قيام مؤسسات «وول ستريت» بشراء الأحياء السكنية والسيطرة على سوق العقارات المحلية.
وفي ولاية ميشيغان، يخوض المرشح الجمهوري لمجلس الشيوخ مايك روجرز حملته متعهداً بالتصدي لشركات الأدوية العملاقة التي يتهمها بابتزاز العائلات الأمريكية عبر زيادة أسعار الدواء.
أما في أيوا، فيتباهى المرشح الجمهوري جو ميتشيل في حملته بأنه المرشح الوحيد الذي يرفض قبول أموال لجان العمل السياسي التابعة للشركات الكبرى.
يعكس هذا التحول إعادة صياغة جذرية للهوية الاقتصادية للحزب الجمهوري، الذي ظل لعقود الحليف الموثوق لكبرى الشركات في واشنطن عبر خفض الضرائب وتخفيف القيود التنظيمية، قبل أن يرسخ صعود دونالد ترامب حقبة جديدة من التشكك والريبة تجاه النفوذ السياسي والاقتصادي للشركات عابرة القارات.
وقد عبّر السيناتور الجمهوري عن ولاية ميزوري، جوش هولي، عن هذا التحول الصارم بتصريحه الحاد لصحيفة «بوليتيكو» بضرورة إعادة تقييم العلاقة بين الحزب الجمهوري وقطاع المال، ملقياً بالتساؤل: «ما الذي يقدمه هؤلاء القوم لأمريكا حقاً؟».
وعلى النحو ذاته، أكد السيناتور الجمهوري برني مورينو عن ولاية أوهيو، الذي قاد تشريعات تقيد هيمنة شركات الملكية الخاصة على سوق الإسكان، أن أولوية الحزب يجب أن تتركز على حماية العمال والطبقة المتوسطة وليس «العبادة في محراب الشركات»، متوعداً بالوقوف بحزم ضد الممارسات الاستغلالية للتنفيذيين والتكتلات الكبرى.
وفي مقابل هذا التيار المتصاعد، يحاول بعض أعضاء الحزب الحفاظ على الرؤية التقليدية الداعمة للسوق الحر، مثل السيناتور بيل هاجرتي، الذي شدد على أن القطاع الخاص هو المحرك الأساسي للاقتصاد الأمريكي وضرورة توفير بيئة تشجع نمو الأعمال بدلاً من ترهيبها.
هذا التحول الجذري والخطاب الانتخابي الساخن أثارا تفاعلاً واسعاً في أوساط الصحافة والإعلام الأمريكي، حيث توالت ردود الفعل والمتابعات التحليلية التي رصدت تداعيات هذه الظاهرة على الخريطة التشريعية والسياسية في واشنطن، فمن جانبها كشفت صحيفة «وول ستريت جورنال» عن حالة من القلق البالغ تسود أروقة مجتمع المال والأعمال في نيويورك وواشنطن، وأوضحت الصحيفة في تحليل لها أن المؤسسات المالية الكبرى وبنوك الاستثمار أضحت تجد نفسها في موقف مكشوف ومحاط بالمخاطر من الطرفين، إذ لم تعد حظوة الحماية التقليدية لدى الجمهوريين قائمة بالقدر السابق، ما يضاعف من احتمال مواجهتها لتشريعات تقييدية وصارمة بغض النظر عن الجهة التي ستسيطر على الكونغرس.
وفي السياق ذاته، سلطت شبكة «بلومبرغ» الضوء على البعد التشريعي والتوافقات غير التقليدية بين الحزبين؛ حيث أشارت الشبكة الإخبارية إلى أن تنامي هذا التيار الشعبي داخل الحزب الجمهوري فتح الباب لتشريعات مشتركة غير متوقعة بين اليسار التقدمي ممثلاً بأصوات مثل السيناتور إليزابيث وارين، وبين الجمهوريين الجدد، لا سيما في قضايا وضع حد أقصى لفوائد بطاقات الائتمان، ومحاربة رسوم المعاملات المصرفية، وتقييد نفوذ صندوق الملكية الخاصة في القطاعات الحيوية.
أما صحيفة «واشنطن بوست» فقد ركزت في تغطيتها على الجانب التكتيكي واستراتيجيات النفوذ لدى كبرى الشركات، مشيرة إلى أن استمرار هذا الزخم قد يغير طبيعة الاستجوابات وجلسات الاستماع في الكونغرس المقبل.
ولفتت الصحيفة إلى أن المؤسسات الكبرى لن تتمكن من الاعتماد على استراتيجية الصمت أو الانكفاء، بل ستضطر لإعادة تعيين مستشاريها وممثليها في واشنطن للتعامل مع واقع جديد يرفع فيه الجمهوريون والديمقراطيون شعارات هجومية متشابهة تتسابق في إظهار الشدة تجاه النفوذ المؤسسي.
وفي قراءة سياقية نادرة، اعتبرت مجلة «فوربس» أن ما يشهده الحزب الجمهوري هو أحدث مراحل التكيف السياسي مع التحولات الطبقية في قواعده الانتخابية. وأضافت المجلة التخصصية أن انزياح الصوت العمالي نحو الجمهوريين فرض على القيادات الاستجابة لمخاوف هذه القاعدة حول ارتفاع تكاليف المعيشة والسكن والدواء، ما جعل مهاجمة التكتلات المالية الكبرى أداة جذب انتخابية فعالة يتوقع أن تتكرر وتتسع رقعتها مع اقتراب السباق الرئاسي لعام 2028.
ومعاقبة لهذا الحراك السياسي، ينبه خبراء الاستراتيجية في واشنطن إلى أن الشركات الكبرى تواجه مرحلة عالية المخاطر؛ حيث يؤكد روهيت كومار، المسؤول السابق لدى القيادة الجمهورية في مجلس الشيوخ، لصحيفة «بوليتيكو»، أننا أمام بداية حقبة جديدة بات فيها التشريع المناهض للشركات أمراً معتاداً داخل أروقة الحزب الجمهوري. ويضيف المستشار السياسي كيفن مادن أن المراهنة على انقسام الحزبين لحماية المصالح التجارية لم تعد مضمونة، إذ أصبحت المنافسة اليوم تتمحور حول من يستطيع إظهار العين الحمراء والصرامة الأكبر في مواجهة نفوذ الشركات الكبرى.