تشهد الساحة الدولية تحولاً مفصلياً متسارعاً يتقاطع فيه التنافس الجيوسياسي مع الفورة التكنولوجية، حيث أضحت تطبيقات الذكاء الاصطناعي الفائق محوراً رئيساً يمس صلب معادلة الأمن القومي، والتوازن العسكري بين واشنطن وبكين، بل ومحركاً جديداً لسباق التسلح العالمي.
ولم تعد المخاطر المرتبطة بالأنظمة المستقلة مجرد فرضيات نظرية تدور في أروقة مراكز الأبحاث؛ بل تجسدت واقعياً في تحركات دبلوماسية رفيعة المستوى وتطورات ميدانية متسارعة تثبت أن الذكاء الاصطناعي يتقدم بخطى حثيثة ليكون العامل الأكثر حسماً وربما الأكثر خطورة في تحديد مسار السلم والحرب عالمياً.
في هذا السياق، تكشفت أبعاد التنافس والتخوف المتبادل بين القطبين الأمريكي والصيني عقب التصريحات الحصرية التي أدلى بها وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت. فقد أعلن بيسنت عن اعتزامه تقديم مقترح رسمياً لبكين لإنشاء «آلية إخطار متبادل» وقناة تواصل مخصصة للتعامل الفوري مع أي حوادث أو طوارئ ناتجة عن خروج أنظمة الذكاء الاصطناعي عن السيطرة.
وتأتي هذه الخطوة الاستباقية لتأسيس «خط ساخن رقمي» بعيد مناقشات حاسمة أجراها بيسنت مع نائب رئيس الوزراء الصيني «هي ليفنغ»، ركزت بالكامل على تقييم مخاطر وكلاء الذكاء الاصطناعي المستقلين (AI Agents)، ومحاذير استغلال هذه التقنيات من قِبل جهات غير حكومية لشن هجمات سيبرانية معقدة أو تطوير تهديدات بيولوجية.
وقد سلط وزير الخزانة الأمريكي الضوء على واقعة تقنية لافتة ارتبطت بالنموذج الصيني مفتوح المصدر «كيمي» التابع لشركة «مونشوت» حين قام النموذج بنقل بيانات صينية حساسة إلى سيرفرات شركة «أنثروبيك» الأمريكية.
واعتبر بيسنت أن هذا التطور المفاجئ شكل لحظة إدراك فارقة لدى القيادة الصينية بشأن القوة العاتية لنماذجها المفتوحة والمخاطر السيبرانية المترتبة عليها.
وبرغم أن النماذج الصينية تعطي كفاءة تقارب 80 % إلى 90 % من قدرة النماذج الأمريكية الرائدة، إلا أن انتشاره العالي وافتقاره لضوابط أمان صلبة يجعله أداة عابرة للحدود يمكن استيرادها وتطويرها في أي مكان، ما يضاعف من فرضيات الخطأ التقني أو الاستغلال المعادي.
على الجانب الآخر، تدرك بكين جلياً حجم هذه المخاطر وإن كانت تركز على بُعد إضافي يمس الاستقرار الداخلي؛ إذ يحذر رئيس الاستخبارات الصينية من خطورة توظيف الذكاء الاصطناعي الغربي في شن «حروب إدراكية» وحرب معلوماتية موجهة تستهدف اختراق البنية الأيديولوجية وإضعاف قبضة الحزب الشيوعي الحاكم.
وفي المقابل، تحاول واشنطن إحداث توازن دقيق بين رغبتها في قيادة سباق «التسارع الآمن» للتقنية، وتفادي الانزلاق إلى كارثة غير محسوبة.
واستجابة لهذه التحديات المركبة، اتجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نحو إعادة هيكلة الإدارة التكنولوجية عبر الإعداد لتعيين جاي كلايتون، مدير الاستخبارات الوطنية الحالي (DNI)، ليتولى أيضاً ملف «منسق الذكاء الاصطناعي» في البيت الأبيض خلفاً لديفيد ساكس. ويعكس الجمع بين إدارة جهاز الاستخبارات وملف التقنية الفائقة توجه واشنطن الحاسم نحو إعطاء أولوية مطلقة للبعد الأمني، وحماية البنى التحتية الحيوية، وتعزيز الدفاعات السيبرانية ضد أي تهديد خوارزمي قادم من المنافسين الجيوسياسيين.
ولم تعد استخدامات الذكاء الاصطناعي حصراً على التنافس الاقتصادي بين واشنطن وبكين، بل امتدت سريعاً لتعيد تشكيل موازين الرادع العسكري لدى الدول الإقليمية؛ وهو ما تجلى بوضوح في الإعلان الصادم الصادر عن بيونغ يانغ حول قيام كوريا الشمالية باختبار صاروخ بالستي متوسط المدى مدمج بمدخلات ومناورات قائمة على تقنيات الذكاء الاصطناعي. ووفقاً لما صرحت به «كيم يو جونغ»، شقيقة الزعيم الكوري الشمالي، فإن الخوارزميات المدمجة بالصاروخ تمنحه القدرة على تغيير مسار تحليقه على ارتفاعات منخفضة باتباع مسار متموج يجهض أجهزة الرصد الميداني ويجعل اعتراضه أمراً مستحيلاً.
ويشير خبراء عسكريون إلى أن الدعم التكنولوجي والعسكري المتبادل بين موسكو وبيونغ يانغ يسارع من دمج الذكاء الاصطناعي في المنظومات الصاروخية والطائرات المسيرة، مما يفتح الباب أمام حروب الخوارزميات المستقلة في مناطق النزاع الملتهبة.
وقد شهدت التغطيات الإعلامية الأمريكية تحليلات موسعة حذرت من تداعيات هذا السباق غير المحكوم؛ إذ أبرزت صحيفة «وول ستريت جورنال» المخاطر المترتبة على نقل صلاحيات اتخاذ القرار العسكري للأنظمة الذكية، مشيرة إلى أن الاعتماد المفرط على خوارزميات الاستهداف في أوقات الأزمات قد يفسر الإشارات الميدانية بشكل خاطئ، مما يرفع احتمالية اندلاع مواجهة عسكرية بين واشنطن وبكين بسبب خلل تقني.
كما أكدت شبكة «سي إن إن» في تقاريرها الميدانية أن السعي الأمريكي لتقييد وصول الصين للشرائح المتقدمة لم يمنع المختبرات الصينية من ابتكار طرق ملتفة عبر النماذج مفتوحة المصدر، مما يجعل التفوق التكنولوجي مؤقتاً ومفتوحاً على احتمالات التصعيد المتبادل.
ومن جانبها، تساءلت صحيفة «واشنطن بوست» عن مدى فاعلية «الرقابة الطوعية» التي تعتمدها الإدارة الأمريكية الحالية أمام تسارع وتيرة التطوير العسكري لدى الخصوم، مشددة على أن غياب أطر تنظيمية ملزمة دولياً يحول الذكاء الاصطناعي من أداة نمو إلى فتيل مواجهة جيوسياسية شاملة.
إن الارتدادات المباشرة لهذا التنافس المحموم لا تقتصر على العلاقات الثنائية بين القوتين الكبريين، بل تمتد لتلقي بظلالها على منظومة تطوير الذكاء الاصطناعي حول العالم. فمن ناحية، يؤدي صراع السيطرة إلى تقسيم الفضاء الرقمي العالمي إلى معسكرين تكنولوجيين، مما يحد من تبادل الأبحاث العلمية المفتوحة ويفرض قيوداً صارمة على سلاسل توريد أشباه الموصلات والرقائق الإلكترونية.
ومن ناحية أخرى، فإن دخول الذكاء الاصطناعي العسكري مرحلة الاستخدام الميداني المباشر سواء في الصواريخ ذاتية التوجيه أو الهجمات السيبرانية الذكية ينقل العالم قسراً من عصر التحكم البشري الكامل إلى عصر «المواجهة الخوارزمية»، حيث تتضاءل مساحات المناورة الدبلوماسية وتزيد احتمالات نشوب نزاعات دولية واسعة بقرار يصدر عن نظام مستقل خرج عن السيطرة.