تفوق أمريكي أم مغامرة جيوسياسية غير محسوبة
تشهد أروقة السياسة الأمريكية تحولاً مفصلياً يتقاطع فيه اتخاذ القرار الاستراتيجي في البيت الأبيض والبنتاغون مع الطفرات المتسارعة للذكاء الاصطناعي، حيث أضحت التقنية الفائقة أداة شريكة في صياغة عقيدة الأمن القومي وإدارة العمليات العسكرية الجيوسياسية الحساسة.
وفي تفاصيل كشف عنها تقرير لمجلة «تايم»الإخبارية، برز الاعتماد الاستثنائي للرئيس الأمريكي دونالد ترامب على خوارزميات روبوتات الدردشة والذكاء الاصطناعي المتقدم؛ إذ أمضى ترامب ساعات في نقاشات مع نموذج الذكاء الاصطناعي «غروك» (Grok) المملوك لشركة «xAI» لإيلون ماسك، مستفتياً الخوارزميات حول الأبعاد السياسية والردود الشعبية المتوقعة قبل اتخاذ قرارات عسكرية وسيادية خطيرة.
وقد امتد هذا التنسيق الرقمي إلى استشارة النموذج حول التبعات الشاملة لاعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وهو القرار الذي نفذته القوات الأمريكية بناءً على تقديرات رحبت بالخطوة وصولاً إلى استقصاء السيناريوهات الميدانية في المواجهة العسكرية المحتدمة مع إيران، مما يرسخ مرحلة جديدة تُصاغ فيها عقيدة الاستهداف والتخطيط الحربي عبر أدوات الذكاء الاصطناعي.
وتوازت هذه التطورات الميدانية مع إعادة صياغة شاملة للمنظومة الدفاعية في وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون)؛ حيث أعلن وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث عن إطلاق مبادرة «مشروع ميريديان»، لتشكل خريطة طريق استراتيجية لمستقبل الحروب قائمة على الأنظمة الذكية المستقلة والأسلحة الروبوتية والتكنولوجيا الفرط صوتية.
وفي هذا السياق، تم تكليف إيلون ماسك ورائد الأعمال التقني بالمير لوكي بقيادة هذه المبادرة الاستراتيجية التي تستمر 120 يوماً لإعادة تشكيل هيكلية المواجهات العسكرية القادمة وتحقيق التفوق التكنولوجي المطلق، خاصة في ظل اشتعال الصراع مع إيران وحفظ التوازن العسكري ضد النفوذ الصيني.
وتزامنت هذه الخطوات العسكرية مع تحرك سياسي واسع في البيت الأبيض، تمثّل في استضافة عمالقة التكنولوجيا وتوقيع «اتفاقية البيت الأبيض للذكاء الفائق»، إلى جانب صدور أمر تنفيذي ينص على استبدال مصطلح «الذكاء الاصطناعي» رسمياً بمصطلح «الذكاء الفائق» (SI) في كافة الأوراق والمراسلات الحكومية الرسمية، مع الاكتفاء بإطار تنظيمي طوعي يعتمد على الرقابة الذاتية والتدقيق المستقل بدلاً من التشريعات الفيدرالية الصارمة التي يراها ترامب معرقلة للابتكار الأمريكي
وقد قوبلت هذه التطورات المتسارعة بصدى واسع في وسائل الإعلام الاقتصادية والسياسية الأمريكية، الممتدة بين الترحيب بتطوير قدرات الرادع الأمريكي والتحذير الشديد من المخاطر الأخلاقية والاستراتيجية الناجمة عن إقحام الخوارزميات في قرارات الحرب والسلام؛ حيث تناولت صحيفة «وول ستريت جورنال» التداعيات الميدانية للسياسة الجديدة مشيرة إلى أن «اتخاذ القرارات السيادية القائمة على نماذج الذكاء الاصطناعي يفتح الباب أمام نُسخ غير محسوبة من التصعيد العسكري، خاصة مع الاعتماد المتزايد للبنتاغون على الخوارزميات في اختيار الأهداف الميدانية وسط نزاعات معقدة كالشرق الأوسط».
ومن جانبها، أبرزت مجلة «فورين بوليسي»التحول الهيكلي في مؤسسة الدفاع الأمريكية بالقول إن «إسناد ملف الحروب المستقبلية لإيلون ماسك عبر مشروع ميريديان يعكس اندماجاً كاملاً بين القطاع التكنولوجي الخاص والمؤسسة العسكرية، مما يحول خوارزميات الذكاء الاصطناعي والأنظمة ذاتية القيادة إلى العصب الأساسي للردع الجيوسياسي لربح سباق التنافس مع الصين».
وفي المنظور ذاته، ركزت صحيفة «واشنطن بوست» على الأبعاد التنظيمية لمبادرة البيت الأبيض، موضحة أن «إصرار إدارة ترامب على اعتماد الرقابة الذاتية وتغيير المسميات الرسمية إلى الذكاء الفائق يمثل تجريداً للجهات التنظيمية الفيدرالية من أدوات الضبط الفعال، واكتفاءً بوعود غير ملزمة قانونياً من قبل رؤساء شركات التقنية الكبرى».
بينما حذرت صحيفة «نيويورك تايمز» في تحليلها من التبعات المجتمعية والسياسية مشيرة إلى أن «الاستفتاء اليومي للخوارزميات وتوظيف الصور المولدة بالذكاء الاصطناعي يخلق حالة من الضبابية وتراجع التأييد الشعبي للسياسات الحكومية، وهو ما تظهره أرقام استطلاعات الرأي التي تعكس مخاوف أمريكية جادة من غياب الضوابط الأخلاقية في إدارة هذا الملف الحيوي».
وعلى صعيد المواقف الحزبية في واشنطن، انقسم الشارع السياسي حول رؤية ترامب لاستخدام وتنظيم الذكاء الاصطناعي الفائق؛ حيث أبدى أقطاب الحزب الجمهوري دعماً مطلقاً للتوجه الرئاسي، معتبرين أن الاعتماد على التقنيات الحديثة وإسناد الملفات العسكرية لقيادات تقنية مثل إيلون ماسك يمثل خطوة جبارة لتحديث البنية الدفاعية وتأمين التفوق الأمريكي أمام التمدد التكنولوجي للصين.
وأكد رئيس مجلس النواب الجمهوري مايك جونسون أن السلامة والابتكار يكملان بعضهما، مشدداً على أن تحرير الشركات من القيود البيروقراطية يضمن استمرار القيادة الأمريكية للابتكار العالمي.
وفي المقابل، شن قادة الحزب الديمقراطي هجوماً حاداً على سياسات البيت الأبيض، واصفين التخلي عن التشريعات الفيدرالية الملزمة لصالح «التزامات طوعية» بأنه مجازفة خطيرة بالأمن القومي وحقوق المواطنين.
وصرح نائب رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ السيناتور الديمقراطي مارك وارنر بأن إعادة تسمية التقنية إلى «الذكاء الفائق» والاعتماد على نصائح روبوتات الدردشة لا يعالج المخاطر الواقعية المرتبطة بالأنظمة المستقلة، حثيثاً الكونغرس على التدخل لوضع أطر قانونية صارمة تمنع انزلاق القرار السياسي والعسكري لسيطرة الخوارزميات غير المنضبطة.