كان الهبوط على حاملة طائرات، في بدايات عصر الطيران البحري، أشبه بمناورة بين النجاة والكارثة، طائرة تقترب بسرعة من سطح ضيق، وطائرات أخرى مصطفة في مقدمة الحاملة، وطيار يعتمد في اللحظات الأخيرة على إشارات بصرية يرسلها ضابط يقف عند مؤخرة السفينة.
خطأ واحد في تقدير الارتفاع أو المسار كان قد يقود إلى فقدان الطائرة، خصوصا إذا فشل الطيار في الإمساك بأسلاك التوقيف.
لكن دخول الطائرات النفاثة إلى الخدمة قلب المعادلة بالكامل، أصبحت الطائرات أسرع وأثقل، بينما احتاجت محركاتها إلى ثوانٍ حتى تستجيب وتصل إلى قوة الدفع المطلوبة، فجأة، لم يعد النظام التقليدي للهبوط مناسبا لعصر السرعة النفاثة.
وفي عام 1951، ظهرت فكرتان بريطانيتان بسيطتان في ظاهرهما، لكنهما أحدثتا تحولا جذريا في تاريخ حاملات الطائرات وهما، إمالة سطح الطيران، ثم استخدام نظام بصري يعرف باسم "الكرة" لمساعدة الطيار على ضبط مسار الهبوط.
10 درجات غيّرت كل شيء
في 7 أغسطس 1951، كان الكابتن دينيس كامبل يدرس نموذجا لحاملة الطائرات HMS Illustrious بحثا عن حل لمشكلة تشغيل الطائرات النفاثة.
وفجأة خطرت له فكرة غير مألوفة آنذاك، لماذا لا يُجعل سطح الهبوط مائلا بنحو 10 درجات عن محور السفينة؟
قد تبدو الفكرة للوهلة الأولى مجرد تعديل هندسي بسيط، لكنها عالجت واحدة من أخطر مشكلات الهبوط.
فعندما أصبح سطح الهبوط مائلا، لم يعد مسار الطائرة المتجهة إلى الهبوط يصطدم بالطائرات المتوقفة في مقدمة الحاملة، وإذا فشل الطيار في التقاط أسلاك التوقيف، أصبح بإمكانه ببساطة مواصلة الطيران بعيدا عن السفينة ثم العودة لمحاولة الهبوط مرة أخرى. هذه المناورة تُعرف في الطيران البحري باسم Bolter.
والأهم أن التصميم الجديد أتاح للحاملة استقبال طائرة للهبوط وإطلاق طائرة أخرى في الوقت نفسه، بعدما كان تشغيل المهمتين بالتتابع أكثر خطورة.
الفكرة لم تحظَ في البداية باستقبال حماسي، لكن المسؤول التقني لويس بودينغتون من مؤسسة أبحاث الطيران الملكية في فارنبورو أدرك إمكاناتها وبدأ في تطويرها، لتنتقل لاحقا إلى تصاميم حاملات الطائرات الجديدة.
ثم جاءت "الكرة"
لكن سطح الطيران المائل حل مشكلة واحدة فقط: ماذا يحدث إذا أخطأ الطيار؟
أما السؤال الآخر فكان: كيف نساعده على عدم الخطأ من الأساس؟
هنا جاء دور البريطاني نيكولاس غودهارت، الذي طور عام 1951 نظاما بصريا أطلق عليه لاحقا اسم "الكرة".
الفكرة تعتمد على مصدر ضوء ومرآة مقعرة تُظهر للطيار نقطة مضيئة أثناء الاقتراب، وإلى جانبها صف من الأضواء المرجعية الخضراء.
إذا ظهرت "الكرة" فوق الأضواء، فالطائرة أعلى من مسار الهبوط المطلوب، وإذا ظهرت أسفلها، فهي منخفضة، وعندما تتطابق معها، يكون الطيار على زاوية الانحدار الصحيحة.
وبذلك لم يعد الطيار مضطرا إلى الاعتماد فقط على الإشارات اليدوية التي يقدمها ضابط على سطح الحاملة، بل أصبح يحصل على معلومة بصرية مباشرة وفورية من النظام نفسه.
من المرآة إلى عدسات فريسنل
لم تتوقف القصة عند المرآة، فمع تطور التكنولوجيا، ظهرت عدسات فريسنل التي قدمت نظاما أكثر دقة وكفاءة، وصولا إلى نظام الهبوط البصري المحسّن المستخدم على حاملات الطائرات الحديثة.
ويتميز النظام الحديث بتثبيت جيروسكوبي يحافظ على مسار الضوء ثابتا رغم حركة الحاملة فوق الأمواج.
وهذه ليست ميزة ثانوية، فحاملة الطائرات قد ترتفع وتهبط عدة أقدام مع حركة البحر، وبالتالي فإن أي نظام غير مثبت سيتحرك مع السفينة، ويعطي الطيار مؤشرا مضللا لمسار الهبوط.
لكن الإنسان لم يخرج من المعادلة
رغم كل هذا التطور، لا يزال ضابط إشارة الهبوط (LSO) يقف في مؤخرة الحاملة ويراقب الطائرات القادمة.
والسبب بسيط، التكنولوجيا تستطيع أن تخبر الطيار أين توجد طائرته، لكنها لا تستطيع دائما أن تخبره كيف سيتغير مسارها خلال اللحظات التالية.
ضابط الإشارة يستطيع مراقبة معدل تغير الاقتراب، والاستماع إلى صوت المحرك، ومعرفة خصائص نوع الطائرة، وملاحظة سلوك الطيار، ثم إصدار تصحيح سريع في اللحظة المناسبة.
كما يقوم بتقييم كل عملية هبوط، وهي عملية أساسية للحفاظ على معايير التدريب والكفاءة داخل أسراب الطيران البحري.
اختراعان.. وثورة مستمرة
بدأت أنظمة مرآة الهبوط دخول الخدمة على حاملات الطائرات البريطانية عام 1954، وعلى الحاملات الأمريكية عام 1955، وفي الوقت نفسه، أثبتت اختبارات الأسطح المائلة نجاح الفكرة، وكانت USS Antietam أول حاملة طائرات تنفذ عمليات هبوط كاملة باستخدام أسلاك التوقيف على سطح طيران مائل خلال اختبارات أجريت عام 1952.
وبعد أكثر من 70 عاما، لا تزال الفكرة الأساسية حاضرة في حاملات الطائرات الحديثة.
سطح الطيران المائل جعل الخطأ قابلا للتدارك، و"الكرة" جعلت الاقتراب أكثر دقة، بينما بقي ضابط الإشارة شاهدا بشريا على العملية.
لم تكن الثورة في حاملات الطائرات ناتجة عن محرك أقوى أو طائرة أسرع فحسب، بل عن تغيير بسيط في زاوية سطح الطيران، ونقطة ضوء صغيرة أُطلق عليها اسم "الكرة".