فتحت الحرب التجارية المتصاعدة بين واشنطن من جهة، وأوتاوا وبروكسل من جهة أخرى، ثغرة في جدار التحالفات الغربية، بعدما تجاوز الخلاف حدود الرسوم الجمركية إلى إعادة النظر في ركائز الاعتماد الاقتصادي والاستراتيجي عبر الأطلسي.
وجاء الطرح اللافت من رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، بفتح الباب أمام منح كندا صيغة «عضو شريك» في الاتحاد الأوروبي، لتكون الأولى من نوعها، في وقت يدفع رئيس الوزراء الكندي مارك كارني نحو تحالف أعمق مع أوروبا، يستند إلى المصالح المشتركة والقدرة على مواجهة الضغوط الخارجية.ولا تزال طبيعة هذه الصيغة المقترحة وحدودها القانونية والمؤسسية غير محددة، فيما أكد كارني أن بلاده ترحب بطموح توسيع العلاقة، دون أن يعني ذلك السعي إلى العضوية الكاملة في الاتحاد الأوروبي.فهل تمهد الضغوط الأمريكية لإعادة ترتيب الشراكات الغربية، أم أن التقارب الكندي–الأوروبي سيبقى في إطار توسيع التعاون الاقتصادي والأمني؟تنويع الشراكات وتقليل المخاطريرى محللون أن التقارب المتسارع بين كندا والاتحاد الأوروبي يعكس مسعى لتنويع الشراكات وتقليص مخاطر الاعتماد المفرط على السوق الأمريكية، أكثر مما يمثل انتقالاً فورياً نحو صيغة عضوية جديدة.
ويمتلك الطرفان بالفعل اتفاقية اقتصادية وتجارية شاملة، فيما يتجه التعاون إلى مجالات تشمل الدفاع، والطاقة، والمعادن الحيوية، والتكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي. وطرح كارني توسيع الشراكة لتشمل القدرات الدفاعية، وأمن الطاقة، وسلاسل الإمداد، والتجارة الرقمية، بما يعزز قدرة الجانبين على مواجهة الاضطرابات الاقتصادية والجيوسياسية.
وتواجه صيغة «العضو الشريك» أسئلة قانونية ومؤسسية، إذ لا توجد حالياً عضوية بهذا الاسم ضمن بنية الاتحاد الأوروبي، ما يستدعي التفاوض على نطاق الحقوق والالتزامات وآليات المشاركة. ومن المقرر أن تشكل القمة الكندية–الأوروبية المرتقبة في أكتوبر المقبل، في مونتريال، محطة لبحث مسار العلاقة الجديدة. مسار مختلفويضيف الموقف الأمريكي بُعداً جديداً إلى النقاش؛ إذ هدد ترامب بفرض رسوم جمركية مرتفعة أو تقليص التجارة مع أوروبا إذا اعتبر التقارب الكندي–الأوروبي خطوة عدائية.
ويكشف ذلك عن انتقال الخلاف من نزاع على شروط التجارة إلى اختبار أوسع لهوامش الاستقلال الاقتصادي والاستراتيجي لدى الحلفاء الغربيين.ومع ذلك، فإن الانتقال إلى عضوية كاملة لكندا في الاتحاد الأوروبي يظل مساراً مختلفاً، تحكمه اعتبارات قانونية ومؤسسية وجغرافية، فضلاً عن تشابك الاقتصاد الكندي العميق مع السوق الأمريكية.
ومن ثم، يرجح محللون أن يتركز المسار الواقعي على تعميق الشراكة القائمة وتوسيع مجالات التعاون، دون أن يعني ذلك استبدال السوق الأمريكية أو بناء بديل أوروبي عنها في المدى القريب.
لا عضوية كاملة
يرى د. محمد عطيف، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة شعيب الدكالي بالجديدة في المغرب، أن تصاعد التوتر التجاري بين إدارة ترامب وكل من كندا والاتحاد الأوروبي قد يدفع أوتاوا إلى توثيق علاقاتها مع بروكسل، دون أن يعني ذلك التوجه نحو عضوية كاملة في الاتحاد.
ويوضح أن الضغوط الأمريكية والرسوم المفروضة على الصادرات الكندية، إلى جانب التوترات السياسية المتصاعدة، تدفع أوتاوا إلى البحث عن بدائل وشراكات تقلل من اعتمادها الكبير على السوق الأمريكية.
ويشير إلى أن طرح فون دير لاين، في خطاب حالة الاتحاد منح كندا وضع «العضو الشريك»، مثّل تطوراً سياسياً لافتاً، لكنه لا يزال فكرة تحتاج إلى إطار قانوني وموافقة الدول الأعضاء.
ويؤكد عطيف أن التوجه يندرج ضمن مساعي كندا لتنويع شركائها، في ظل اعتمادها الكبير على التجارة مع الولايات المتحدة، بينما تمثل أوروبا شريكاً اقتصادياً واستراتيجياً مهماً، رغم استمرار بعض العوائق أمام الاستفادة الكاملة من اتفاقية التجارة الحرة بين الجانبين.ويضيف أن توسيع التعاون في الدفاع والطاقة وأمن القطب الشمالي قد يمنح التقارب الكندي–الأوروبي أبعاداً تتجاوز التجارة، إلا أن تحويل «العضوية الشريكة» إلى صيغة مؤسسية سيظل مرتبطاً بالتوافقات القانونية والسياسية داخل الاتحاد الأوروبي، وبقدرة الطرفين على مواءمة مصالحهما مع الالتزامات القائمة.
ويلفت إلى أن ارتباط كندا الوثيق بالولايات المتحدة في التجارة والدفاع يجعل استبدال السوق الأمريكية أو بناء بديل أوروبي عنها أمراً غير واقعي في المدى القريب.ويخلص إلى أن الطرح يمثل في مرحلته الحالية رسالة سياسية واتجاهاً نحو شراكة استراتيجية أعمق، فيما سيتركز المسار المقبل على تطوير الاتفاقيات القائمة وتوسيع التعاون في التكنولوجيا والأمن والطاقة، دون الانزلاق إلى مواجهة تجارية أوسع مع واشنطن.
التحالفات
بينما يؤكد خبير العلاقات الدولية، الدكتور طارق البرديسي، أن تصاعد الاحتكاك التجاري بين واشنطن وحلفائها الغربيين يكشف عن تحول يتجاوز الخلاف على الرسوم الجمركية، ويمس القواعد التي ظلت تضبط شبكة التحالفات الاقتصادية والسياسية عبر الأطلسي.ويرى أن سياسة ترامب التجارية تدفع شركاء الولايات المتحدة إلى إعادة حساب كلفة الاعتماد على السوق الأمريكية، والبحث عن مسارات بديلة لتوزيع المخاطر وحماية مصالحهم الاستراتيجية.
ويعتبر البرديسي أن طرح انضمام كندا إلى الاتحاد الأوروبي لا ينبغي قراءته باعتباره مشروعاً للاندماج المؤسسي بالمعنى التقليدي، بقدر ما يعكس بحث أوتاوا عن «شبكة أمان» أوسع في مواجهة ضغوط الحمائية الأمريكية.ويوضح أنه كلما اتسعت الفجوة التجارية والسياسية مع واشنطن، ازدادت الحاجة إلى تنويع دوائر الشراكة وعدم ترك الاقتصاد الكندي مكشوفاً أمام قرارات أمريكية متغيرة.
ويشير إلى أن المسألة تحمل أيضاً دلالة سياسية، إذ إن تقارب كندا وأوروبا قد يتحول إلى ورقة لإعادة ضبط التوازن داخل المعسكر الغربي، من خلال بناء روابط أكثر كثافة في التجارة والاستثمار وسلاسل الإمداد والدفاع الاقتصادي.