شكلت منصة الأمم المتحدة مكاناً غير معتاد للرئيس الأمريكي دونالد ترامب لكي يهدد بإبادة إيران أو ليعلن - في سياق صراع آخر- أن «الغنائم من نصيب المنتصر»، ولم يقتصر هذا الخطاب على كونه تصريحاً سياسياً تقليدياً، بل يمكن قراءته باعتباره أداة لإدارة الحرب، تشمل توجيه رسائل ردع، مع الحديث عن صفقة إلى وعود أوكرانيا وغنائم فنزويلا، حيث رسم في الأمم المتحدة عالماً تقوده القوة وفن الصفقات، وبذلك تتحول القوة العسكرية في الخطاب من أداة لمعالجة أزمة محددة إلى بنية دائمة للسياسة الخارجية الأمريكية.

جاء الخطاب في لحظة دولية بالغة الحساسية: استمرار الحرب الأمريكية - الإيرانية، وتداعيات إغلاق مضيق هرمز، وتصاعد الحرب الروسية – الأوكرانية، وتفاقم الأزمة الإنسانية في غزة، وتنامى التوترات حول قضايا الطاقة، والهجرة، والمناخ.

يمكن قراءة خطاب ترامب في الأمم المتحدة باعتباره إعلاناً عن قاعدة واحدة: السلام ممكن، لكن من موقع القوة، والتفاوض ممكن، لكن بعد فرض شروط بتحقيق صفقة ناجحة.

حاول ترامب تقديم نظرته الشخصية لموقع ودور الولايات المتحدة في النظام الدولي، عبر مزيج من لغة القوة والتهديد، والدعوة في الوقت نفسه إلى التسويات الدبلوماسية.

الرسالة واضحة، ليست إغلاق باب الدبلوماسية وإنما القول إن هذا الباب لن يُفتح من موقع الندية التقليدية.

خطاب ترامب أعاد تعريف التفاوض والاتفاق، إذ إن المبادرة التي تحدثت عنها تقارير صحفية بشأن استعداد إيران لفتح مضيق هرمز لمدة 7 أيام مقابل تخفيف الحصار لم تعد كافية لإقناع واشنطن، حيث حمل خطابه رسالة شديدة الوضوح إلى القيادة الإيرانية، أشار فيها إلى أن الولايات المتحدة تريد اتفاقاً، لكنها في الوقت نفسه تريد أن تدخل إيران هذا الاتفاق وهي تدرك أن البديل قد يكون أكثر قسوة، لذلك بدا تهديده بإمكان دفع إيران «إلى الجحيم» مترافقاً مع حديثه عن اتفاق محتمل.

وهنا تكمن المفارقة الأساسية في الخطاب، فترامب لا يضع الحرب في مواجهة التفاوض، بل يجعلهما مرحلتين من السياسة نفسها.

الحرب تضغط، والعقوبات تعزل، والقوة العسكرية تفرض الوقائع، ثم يأتي التفاوض لتثبيت النتيجة.

خطاب ترامب في الأمم المتحدة كان فرصة ثمينة له لجذب المشاهدين في وقت الذروة، واستعادة ثقة الناخبين، حيث بعث برسالة واضحة لإيران، مفادها أنه لا يعير الانتخابات النصفية في 3 نوفمبر أدنى اهتمام، لأنه «ليس مرشحاً فيها»، وبأنه باقٍ من ولايته سنتان ونصف السنة.

مؤدى هذا الكلام أن نتائج الانتخابات لن تؤثر على أي قرار سيتخذه.

هذا الانقلاب في الخطاب يعكس مزيجاً من الأهداف السياسية الداخلية والخارجية، حيث يسعى ترامب داخلياً إلى إظهار إصراره على إنهاء حرب إيران من موقع قوة لا سيما أمام القاعدة الانتخابية أو الداعمين السياسيين له، حتى لو كان ذلك يعني خسارة انتخابات الكونغرس.

يرتبط الخطاب بجمل من الدوافع المتعلقة بالضغوط الداخلية التي تواجه الإدارة الأمريكية، وفي مقدمتها تصاعد حالة الاستياء الشعبي المرتبطة بتداعيات الحرب، خصوصاً مع ارتفاع أسعار الوقود وتأثيرها المباشر على تكلفة المعيشة.

خطاب ترامب الأخير لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق السياسي الداخلي الأمريكي، خصوصاً مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، حيث يسعى إلى استعادة صورته قائداً قوياً يعتمد على الحسم والردع، ولا تهمه المسائل الحزبية، الخطاب لم يكن إعلان نصر ولا خطة خروج، بل خليطاً من تهديدات وتسويات.

قدّم الرئيس الأمريكي بلاده نموذجاً لاستعادة القوة، مستخدماً حصيلته المحلية لتأكيد قدرتها على قيادة المشهد الدولي، ويعود ذلك في جزء كبير إلى الإصرار ربما على فرض منطق «عقيدة» ثابتة على سياسة تتشكل إلى حد كبير داخل دائرة ضيقة، تلعب فيها شخصية الرئيس دوراً حاسماً، ويصعب في كثير من الأحيان فهم آلياتها.

في المجمل يعكس خطاب ترامب مزيجاً من المبالغة، والتبسيط، والاستقطاب، أما الحرب الروسية – الأوكرانية فقد تناولها ترامب بوصفها «الأكثر سهولة في الحل».

هذا الوصف أثار انتقادات واسعة، لأنه يتجاهل التعقيدات الجيوسياسية العميقة المرتبطة بالأمن الأوروبي، حيث ربط الأمن الأمريكي باستخدام القوة في نصف الكرة الغربي.