تحولت الجهود التشريعية الرامية إلى حماية العملية الانتخابية من التضليل الرقمي في ولاية نيو مكسيكو الأمريكية إلى ساحة صراع قضائي شائك حول حدود حرية التعبير والسخرية السياسية.
ففي أعقاب إقرار الولاية تشريعات مشددة تستهدف التقنيات المتقدمة للذكاء الاصطناعي، يواجه المسؤولون في نيو مكسيكو دعوى قضائية رفيعة المستوى رفعها موقع «بابيلون بي» الشهير المتخصص في الصحافة الساخرة، في تحرك يسلط الضوء على المعضلة التنظيمية المتزايدة بين مواجهة تزييف الواقع وضمان سلامة التعبير الفكاهي.
وتعود جذور الأزمة إلى قانون الإبلاغ عن الحملات الانتخابية لعام 2024 في ولاية نيو مكسيكو، وتحديداً البند المعروف باسم (HB 182)، والذي صُمم في الأصل لمنع استخدام تقنيات «التزييف العميق» في توجيه الناخبين أو تشويه سمعة المرشحين.
ويفرض التشريع إدراج إخلاء مسؤولية تنبيهي إجباري على أي محتوى إعلامي يتم إنتاجه جزئياً أو كلياً بواسطة الذكاء الاصطناعي، إذا كان المحتوى يتطرق إلى مرشحين في الانتخابات الرئاسية أو المحلية أو القضاة أو الاستفتاءات العامة، ويظهِر الأشخاص وهم يصرحون أو يتصرفون بأساليب لم تحدث في الواقع.
وينص القانون على عقوبات مدنية وجنائية صارمة للمخالفين تصل إلى غرامات مالية باهظة. ورغم أن صياغة القانون كانت تهدف لمنع الخداع الرقمي والتضليل السياسي، إلا أنها أدت عملياً إلى فرض قيود مباشرة على كتاب المحتوى الساخر والصحافة الفكاهية.
ووفقاً للدعوى التي تقدم بها موقع «بابيلون بي» أمام المحكمة الاتحادية، فإن إلزام المؤسسات الإعلامية الساخرة بوضع وسوم توضيحية تشير إلى أن المحتوى «مختلق أو مصنّع بواسطة الذكاء الاصطناعي» يقضي تماماً على البناء البلاغي للفكاهة والسخرية، ويجبر المنصات على التنازل عن نص الدستور الأمريكي الذي يحمي حرية التعبير السياسي.
وأكد الموقع أن إجبار المؤسسات على تصنيف نكاتها وإعلاناتها الساخرة يعد نوعاً من «التعبير المكره» الذي لا يمتلك القانون سلطة فرضه.
وقد أثارت الدعوى تفاعلاً واسعاً ورصداً مكثفاً في وسائل الإعلام الأمريكية، التي تابعت القضية باعتبارها اختباراً دستورياً مفصلياً لمدى حدود صلاحيات الولايات في ضبط وسائل التكنولوجيا الحديثة دون المساس بالتعديل الأول للدستور الأمريكي. في هذا السياق، أبرزت «صحيفة وول ستريت جورنال» المعضلة التي وقع فيها المشرعون في نيو مكسيكو، مشيرة إلى أنه في إطار سعيهم لحماية أنفسهم والعملية الانتخابية من التضليل الرقمي، تحولوا من غير قصد إلى «رقابة على النكات والفكاهة السياسية»، وهو ما يهدد بفرض قيود غير مسبوقة على الساخرين وصناع المحتوى الذين يعتمدون على البناء المبالغ فيه لإيصال رسائلهم الفكرية والسياسية.
من جانبها، أوضحت صحيفة «واشنطن بوست» أن القضية تعكس الصراع المستمر بين الرؤساء التنفيذيين لشركات الذكاء الاصطناعي والمشرعين؛ حيث يحذر فريق من مخاطر التكنولوجيا ويدعو لفرض ضوابط تنظيمية، بينما ترى أطراف أخرى أن التوسع في القوانين التقييدية يضر بالتنافسية وحرية التعبير الرقمي، مشيرة إلى أن التداخل بين التنظيم والحظر بات خطاً خفيفاً يهدد المنصات الترفيهية والإخبارية الساخرة.
وسلطت صحيفة «واشنطن تايمز» الضوء على الجانب القانوني للصراع، معلنة أن هذه القضية تعد الامتداد لانتصارات سابقة حققها موقع «بابيلون بي» ضد قوانين مشابهة في ولايتي كاليفورنيا وهاواي. وأشارت الصحيفة إلى أن مدعي الولاية ولجنة الأخلاقيات باتوا أمام اختبار حقيقي، خاصة بعد تصريحات حاكمة الولاية والمدعي العام اللذين أشارا سابقاً إلى وجود ضبابية دستورية قد تشوب إلزام السخرية والتناص الفكاهي بإخلاءات المسؤولية.
وتناولت «شبكة فوكس نيوز» تصريحات المسؤولين في منظمة «تحالف دفاع عن الحرية» (ADF) الممثلة للموقع الساخر، والذين أكدوا فيها أن الحكومة لا تملك الصلاحية لتكون حكماً يقرر ما هو مسموح أو غير مسموح في النقاشات السياسية، مشددة على أن الفكاهة السياسية ظلت عبر التاريخ الأمريكي جزءاً أصيلاً من حرية الرأي، وليست جريمة تتطلب التدخل الشرطي.
بينما أفادت شبكة «بلومبرغ قانون» بأن هذا النزاع القضائي يضع المحاكم الفيدرالية أمام مسؤولية صياغة تعريف دقيق للفرق بين «التزييف الخداع المادي» والمحتوى «الساخر المحمي دستورياً»، لافتة إلى أن فرض غرامات تصل إلى آلاف الدولارات على المواد غير المصحوبة بتنبيهات قد يدفع القضاء لإيقاف العمل بهذه البنود لحين مراجعة المشرعين لتعديلاتهم التشريعية.
ويرى مراقبون قانونيون أن قضية نيو مكسيكو تشكل محطة جديدة في السعي نحو التوازن الصعب بين مكافحة التضليل والتزييف العميق المدعوم بالذكاء الاصطناعي، وبين حماية أرقى أشكال التعبير السياسي والتاريخي المتجسد في السخرية والرسوم الكاريكاتيرية، في وقت يتزايد فيه اعتماد العملية الانتخابية على الفضاء الرقمي الشامل.