لدى مراجعة الأرقام التجارية بين الولايات المتحدة وإسبانيا، يتوضح مدى المعضلة إذا نفذ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب توجيهه لوزير التجارة الأمريكي بقطع الصلات مع إسبانيا. فالأثر الاقتصادي لن يكون مدمراً للولايات المتحدة بحكم حجم اقتصاده، لكنه سيكون مزعجاً ومكلفاً لقطاعات أمريكية محددة. أما في إسبانيا، فسيكون الأثر أعمق نسبياً، لأن السوق الأمريكية مهمة للصادرات، والسياحة، والاستثمارات، وصورة إسبانيا كوجهة مستقرة داخل أوروبا.
المفارقة الأساسية أن الولايات المتحدة تملك فائضاً تجارياً مع إسبانيا. ففي 2025 بلغ إجمالي التبادل التجاري بين البلدين، سلعاً وخدمات، 74.5 مليار دولار، منها 39.2 مليار دولار صادرات أمريكية إلى إسبانيا، مقابل 35.3 مليار دولار واردات أمريكية من إسبانيا، أي فائض أمريكي بنحو 3.96 مليارات دولار. لذلك فإن «قطع التجارة» سيضرب أيضاً شركات أمريكية تبيع لإسبانيا أكثر مما تشتري منها الولايات المتحدة.
ترامب قال خلال قمة للناتو في أنقرة إنه لا يريد أي تجارة مع إسبانيا، ووجّه وزير الخزانة سكوت بيسنت إلى التحرك فوراً، على خلفية غضبه من موقف مدريد بشأن الإنفاق الدفاعي ورفضها السماح باستخدام المجال الجوي أو القواعد الإسبانية في حرب إيران. وكان قد أطلق تهديداً مشابهاً في مارس.
ما الأساس القانوني؟
لكن تنفيذ تهديد من هذا النوع ليس سهلاً قانونياً. إسبانيا عضو في الاتحاد الأوروبي، والسياسة التجارية الخارجية من اختصاص الاتحاد الأوروبي كما تقول المفوضية الأوروبية إن التجارة مع الدول غير الأعضاء هي مسؤولية حصرية للاتحاد، وليست للحكومات الوطنية للدول الأعضاء. وبحسب «رويترز»، فإن استهداف إسبانيا منفردة خيار صعب للغاية.
وبحسب الخبيرة جينيفر هيلمان، معاقبة إسبانيا منفردة تحتاج إلى إعلان حالة طوارئ وطنية وإثبات أن إسبانيا تشكل تهديداً للأمن القومي أو السياسة الخارجية أو الاقتصاد الأمريكي. فقطع التجارة بالكامل يحتاج إلى أساس قانوني. في الحالة الأمريكية، الرئيس يستطيع فرض رسوم أو قيود محددة عبر أدوات تجارية معروفة، مثل رسوم الأمن القومي أو التحقيقات التجارية. لكن عبارة ترامب عن «قطع كل التجارة» مع إسبانيا تعني شيئاً أوسع: منع استيراد، منع تصدير، تعطيل مدفوعات، تجميد تعاملات، وقيود على شركات وخدمات. هذا النوع من الإجراءات يقترب من العقوبات الاقتصادية أو الحظر التجاري.
الطريق القانوني الأقرب لذلك هو قانون أمريكي يمنح الرئيس صلاحيات واسعة لتنظيم أو حظر معاملات اقتصادية مع الخارج، لكنه لا يعمل تلقائياً. يجب أولاً أن يعلن الرئيس وجود «تهديد غير عادي واستثنائي» مصدره خارج الولايات المتحدة، ويمس الأمن القومي أو السياسة الخارجية أو الاقتصاد الأمريكي. ويشترط النص القانوني صراحة إعلان حالة طوارئ وطنية مرتبطة بهذا التهديد قبل استخدام هذه الصلاحيات.
بالتالي، ترامب لا يستطيع قانونياً أن يقول فقط: «لا أريد تجارة مع إسبانيا»، ثم تتحول الجملة إلى حظر شامل. عليه أن يصدر إعلاناً رسمياً بأن سلوك إسبانيا يمثل تهديداً استثنائياً للأمن القومي أو السياسة الخارجية أو الاقتصاد الأمريكي. وهذا الإعلان يجب أن يحال إلى الكونغرس وأن ينشر في السجل الفيدرالي، وفق قانون الطوارئ الوطنية الأمريكي.
بعد إعلان الطوارئ، يمكن للرئيس، عبر وزارة الخزانة أو مكتب مراقبة الأصول الأجنبية أو جهات تنفيذية أخرى، أن يمنع أو ينظم تحويلات مالية، ومدفوعات مصرفية، واستيراداً أو تصديراً، وتعاملات تشمل ممتلكات أو مصالح لدولة أجنبية أو رعاياها.
حرب عالمية تجارية
في المقابل، إذا اختارت دول الاتحاد الأوروبي التعامل مع الخطوة بوصفها إكراهاً اقتصادياً ضد دولة عضو، فسيخرج النزاع من الثنائية الأمريكية ـ الإسبانية إلى المساحة الأوروبية الأوسع. فالاتحاد الأوروبي يملك منذ ديسمبر 2023 «أداة مكافحة الإكراه» التي تسمح له بالتحرك عندما تحاول دولة ثالثة الضغط على الاتحاد أو على دولة عضو لتغيير خيار سيادي عبر إجراءات تمس التجارة أو الاستثمار. وتشمل أدوات الرد الأوروبية قيوداً على السلع والخدمات والاستثمار الأجنبي والأسواق المالية والمشتريات العامة والملكية الفكرية وضوابط التصدير. وبالتالي، تبدو خيارات قطع العلاقات بالطريقة التي طرحها ترامب، أقرب إلى حرب عالمية تجارية بين ضفتي الأطلسي.