فيما تسعى دولة الإمارات العربية المتحدة جاهدة إلى ترسيخ مكانتها العالمية كوجهة آمنة ومستقرة وجاذبة للاستثمارات، تدخل على الخط محاولات مشبوهة ممنهجة ومقنّعة، تقودها جماعة "الإخوان" الإرهابية، مستغلّة هذه السمعة الاقتصادية المرموقة للدولة بهدف تحويلها إلى ثغرة، كي تحقّق من خلالها أهدافاً أيديولوجية وتنظيمية مريبة تشكل تهديداً مباشراً للأمن الوطني والإقليمي والدولي.
لم تعد هذه الجماعة الإرهابية تعتمد على الأساليب التقليدية في جمع الأموال أو إدارة شبكاتها العابرة للحدود، بل باتت تلجأ إلى أدوات أكثر تعقيداً وميلاً للتخفي والتمويه، من خلال ارتداء عباءات الاقتصاد العالمي.
التحوّّل من النشاط الدعوي والسياسي المباشر إلى النشاط الاقتصادي لم يكن مجرد خيار مالي للجماعة، إنما تحول استراتيجي في طريقة عملها، حيث إن الاستثمارات والخدمات المالية توفر بيئة أكثر أمناً لعناصرها، وتسمح ببناء علاقات واسعة مع رجال أعمال ومستثمرين وشركاء لا ينتمون بالضرورة إلى الهيكلية التنظيمية نفسها. كما تمنح الشركات المسجلة قانونياً مظلة يراد منها أن تصعّب التمييز بين النشاط الاقتصادي المشروع وأي أهداف أخرى على أجندة الجماعة.
الغاية والوسيلة
هذا تحوّل لافت في طبيعة أدوات هذه الجماعة التي تمارس الميكافيلية في أنشطتها، والمتمثلة بمبدأ "الغاية تبرر الوسيلة"؛ فبدلاً من الاكتفاء بالقناع الدعوي أو الخيري الذي ارتبط بها تاريخياً، أصبحت تعتمد على نحو متزايد على شركات استثمارية تقدم نفسها باعتبارها مؤسسات اقتصادية بحتة، بينما هي جزء من الهيكلية المالية التي تضمن استمرار التنظيم وتوفير الموارد اللازمة لنشاطه التخريبي.
وفي هذا السياق، لجأت الجماعة في ممارسة أنشطتها- مستفيدة من الانفتاح الاقتصادي عالمياً وسهولة انتقال رؤوس الأموال بين الدول- إلى إنشاء شبكات عابرة للحدود، تتخفى بواجهات استثمارية عقارية ومالية وتنتهج أسلوب التماهي الخداعي؛ من خلال إطلاق أسماء ذات إيحاءات خاصة ودلالات وطنية ذات طابع إماراتي، من أجل تخليق أجواء زائفة من الثقة في نفوس المستثمرين ودفعهم للإحساس بأن هذه الشركات موثوقة وتعبّر عن بيئتهم الخاصة، بينما تختبئ وراء قناعها "العصري" ومخرجاتها الاحترافية، أجندات باتت معروفة تاريخياً، لتمويل التطرف والتحريض وأعمال التخريب التي تخدم أهدافها الهدّامة.
من أمثلة هذا الأسلوب الخداعي ما تسمى شركة "ياس للاستثمار والعقار" التي تتخذ من العاصمة البريطانية لندن مقراً لها، وقد أطلق القائمون عليها هذا الاسم عن، سبق إصرار وترصّد، لتبدو مرتبطة بجزيرة ياس في أبوظبي، واعتبارها بمثابة فخ لجذب رؤوس الأموال الخليجية، تحت غطاء الاستثمار العقاري.
إرهابيون هاربون
وتكشف خلفيات القائمين على هذه الشركة عن آليات عمل الجماعة في الخارج؛ إذ إن مؤسس هذه الشركة المخادعة هو المدعو عبدالرحمن الجابري الهارب إلى بريطانيا والمدرج ضمن قوائم الإرهاب المحلية في دولة الإمارات، وهو في الوقت ذاته نجل حسن منيف الجابري المدان في قضية "التنظيم السري" الذي حاول المساس بأمن الإمارات واستقرارها.
والمدعو عبدالرحمن الجابري يمثل أحد أضلاع مثلث قيادي خطير يتولى مهمة إعادة إحياء تنظيم الإخوان في الخارج، ويتحرّك ضمن شبكة متداخلة من الشركات والعلاقات العائلية التي تضمن السرية وانغلاق الدائرة التنظيمية في محاولة لمنع الاختراقات.
ويبرز المدعو أحمد الشيبة كضلع ثانٍ في هذا المثلث، وهو أيضاً هارب إلى بريطانيا وتربطه علاقة مصاهرة مباشرة مع عبدالرحمن الجابري، بينما يكتمل المثلث بالضلع الثالث المدعو حمد محمد الشامسي الذي يضطلع بمهمة التنسيق الميداني والسياسي، وقد شارك في اجتماعات سرية عُقدت في تركيا ودول أخرى، وضمّت عناصر تنظيمية محكومة وهاربة إلى الخارج، لرسم مخططات التحرّك المشبوه وتجنّب الملاحقات.
وتتكامل هذه الأدوار المالية مع أسلحة الحرب الناعمة والاختراق الإعلامي التي ينتهجها التنظيم، إذ يستغل منصات التواصل الاجتماعي وغير من مواقع شبكة الانترنت بشكل مكثف لتظهير الضلع الثاني المدعو أحمد الشيبة في قناع "مفكر تربوي" وأكاديمي معتدل، في حين أنه يمارس من وراء هذا القناع نشاطاً ممنهجاً وموجّهاً لتحريض الرأي العام ضد الإمارات ومؤسساتها، لخلخلة السلم المجتمعي.
شبكة أخطبوطية
وتتجاوز خطورة هذه المنظومة حدود الكيانات الفردية، فشركة "ياس" ليست كياناً منعزلاً بل جزء من شبكة أخطبوطية تتكون من ثلاث عشرة شركة ومؤسسة تنتشر في أرجاء القارة الأوروبية وتنشط تحت مظلة تنظيم "الإخوان"، ويُشرف عليها مباشرة المدعو إبراهيم الزيات المعروف بلقب "وزير مالية الإخوان في أوروبا"، وهو العقل المالي المدبر وراء هذا الشبكة المؤسساتية للتنظيم، والمسؤول عن إدارة هندسته المالية المعقدة.
وتحت هذه المظلة، يدير المدعو عبدالرحمن الجابري أيضاً شركة أخرى تحمل اسم "نافل كابيتال"، وتقدم نفسها للجمهور كمحفظة استثمار عقارية جاذبة، لكنها في الأساس ليست سوى أداة لاستقطاب الأموال الخليجية وتحويلها إلى قنوات مشبوهة، ما يضع المستثمرين من ذوي حسن النية أمام خطر حقيقي، وقد يجدون أنفسهم لاحقاً متورطين، من دون علم أو إدراك أو قصد، في قضايا دولية كبرى تتعلق بتمويل الإرهاب أو دعم التنظيمات المتطرفة.
الصورة العامة لنشاط هذه الواجهات الإخوانية تعبّر عن نفسها بعمليات غسل أموال واسعة النطاق تديرها قيادات التنظيم التي توظّف هذه التدفقات المالية في تمويل أعمال تخريبية تضر بالأمن الإقليمي والدولي على حد سواء، مستهدفة الثروات والأموال الخليجية بخاصة والعربية بعامة، وتحويلها إلى مشاريع هدفها الأساس خلخلة الاستقرار ودعم الأجندات الهدامة في الدول العربية وتفتيت وحدة مجتمعاتها وضرب السلم الأهلي فيها، لتحقيق مآرب لا تخفى على شعوب دولنا ودول العالم.
والمطلوب؟
هذا الخطر المتجدّد والحقيقي، يتطلب رفع مستوى الوعي المجتمعي بأن التنظيمات المتطرفة التي ترتدي زوراً وخداعاً العباءة الدينية ولم تعد أساليبها الدعوية تنطلي على أحد، قد دخلت بقوة إلى بوابات المال والأعمال والاستثمار العقاري كأحدث وسائل التمويه الخفي لتمويل نشاطها الحقيقي.
وتبرز كذلك ضرورة ملحة لتحصين الساحة الاقتصادية والاجتماعية ورفع منسوب الإدراك الوعيوي لدى المستثمرين بضرورة عدم الانخداع بالأسماء الوطنية الجاذبة، أو الشعارات الخادعة، أو التصاميم الاحترافية للشركات، إذ غالباً ما تكون مجرد واجهات لتضليل المستثمرين ولفت الأنظار بعيداً عن حقيقة الأنشطة الخفية، حيث إن المستثمر قد لا يكون بالضرورة قادراً على معرفة الخلفيات الفكرية أو التنظيمية للقائمين على هذه الكيانات المشبوهة.
كما يستدعي الأمر بشكل عاجل تعزيز وتطوير قنوات التعاون المشترك والتنسيق الفوري بين الجهات الأمنية ووحدات الاستخبارات المالية في الدول الخليجية ونظيراتها الأوروبية، لتطوير آليات تبادل المعلومات حول الشبكات المشبوهة، وتتبع مساراتها المالية وقنواتها الملتوية بما يساعد على الكشف عن أي أنشطة غير مشروعة قد تختبئ خلف واجهات استثمارية براقة، وملاحقتها قانونياً وتجميد أصولها لقطع دابر خطرها العابر للقارات.
في النهاية، لا ينبغي أن يقيس الناس حقيقة الوجوه والواجهات بالأسماء الرنانة أو الشعارات الدينية البراقة، بل بما تمارسه فعلاً من أنشطة وما تخبئه من أجندات.
فالتجارب التي كُشفت خلال العقود الماضية أظهرت أن بعض الكيانات المرتبطة بـ "الإخوان" نجحت في التغلغل داخل مجتمعات مختلفة عبر واجهات تحمل عناوين خيرية أو تعليمية أو حقوقية أو تنموية جذابة، بينما كانت تؤدي أدواراً لا علاقة له بالمعلن عنه.
وتبقى الشفافية والصدق مع الله والنفس والناس، واحترام القوانين وخدمة الصالح العام، هي المعيار الوحيد، وليست الشعارات الجوفاء والأسماء الفارغة من القيمة.
وفي النهاية فإن ما ينفع الناس يمكث في الأرض، وأما الزبد فيذهب جفاء.