في ذكرى مرور 80 عاما على أول تحليق لطائرة التدريب الكندية-البريطانية de Havilland Canada Chipmunk، كُشف مجددا عن أحد أكثر أدوارها غرابة في تاريخ الطيران العسكري، بعدما استخدمت بين عامي 1956 و1989 في مهام استطلاع استخباراتي فوق برلين المقسمة، في واحدة من أكثر مناطق المواجهة حساسية خلال الحرب الباردة.

ورغم أن الطائرة صُممت أساسا كطائرة تدريب أولي للطيارين العسكريين في بريطانيا ودول أخرى، فإن عددا محدودا من هذه الطائرات ذات المروحة أُعيد توظيفه سرا لمراقبة القوات السوفييتية وقوات حلف وارسو داخل "منطقة التحكم في برلين"، التي شكلت خط تماس مباشر بين الشرق والغرب.

وتعود بداية هذه المهام إلى فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، عندما قُسمت ألمانيا بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي وبريطانيا وفرنسا، وهو التقسيم الذي شمل أيضا مدينة برلين الواقعة داخل المنطقة السوفييتية.

وبموجب الاتفاق الرباعي، احتفظت القوى الغربية بحق الوصول إلى المدينة عبر ممرات برية وجوية محددة، كما أُقرت آلية "بعثات الاتصال" بين الحلفاء الغربيين والسوفييت، والتي تحولت عمليا إلى أدوات لجمع المعلومات الاستخباراتية.

وكانت البعثة البريطانية تُعرف باسم BRIXMIS (البعثة البريطانية إلى القوات السوفييتية في ألمانيا)، ومقرها في بوتسدام قرب برلين، حيث استفادت من حرية حركة نسبية داخل ألمانيا الشرقية، بما في ذلك جمع المعلومات عن القوات السوفييتية.

وفي أواخر عام 1956، أطلقت بريطانيا عملية سرية حملت لاحقا اسم "عملية نايلون" (Operation Nylon)، والتي انبثقت عن عملية سابقة باسم "Schooner"، ونصّت على استخدام طائرات التدريب Chipmunk في مهام استطلاع داخل ما يقارب 1200 ميل مربع تُعرف باسم "منطقة التحكم في برلين".

انطلقت هذه الطلعات من قاعدة RAF Gatow في برلين الغربية، وكانت تُسجل رسميا على أنها "رحلات تدريب مستمرة" للحفاظ على الغطاء العملياتي، مع تنفيذ طلعات تدريب حقيقية موازية لتفادي إثارة الشبهات.

وكانت الطائرات تعمل عادة بمعدل طلعتين إلى ثلاث طلعات أسبوعيا، تحت ظروف الطيران البصري (VFR)، وعلى ارتفاع لا يتجاوز 1500 قدم.

وكانت كل رحلة تُخطط مسبقا ويتم إخطار مركز سلامة الطيران الرباعي في برلين بها، بينما كانت مدة الطلعة الواحدة تقارب ثلاث ساعات.

وشملت الأهداف الرئيسية مواقع عسكرية سوفييتية متعددة داخل منطقة التحكم، في وقت كان فيه الجانب السوفييتي يرد على طلبات التحليق بعبارة متكررة: "سلامة الطيران غير مضمونة".

وفي إطار المهام، كان يجلس في المقعد الأمامي أحد عناصر BRIXMIS مزودا بكاميرا يدوية، بينما يقود الطائرة طيار تابع لسلاح الجو الملكي من المقعد الخلفي.

وكان أفراد الطاقم يرتدون أقنعة أكسجين باستمرار لتجنب التعرف عليهم، ويتم تشغيل الطائرات داخل الحظائر مع تجهيز الكاميرات مسبقا، نظرا لوجود نقاط مراقبة سوفييتية وأبراج مراقبة مطلة على القاعدة.

ورغم إدراك السوفييت للطبيعة الاستخباراتية لهذه الرحلات، فإن اتفاقية ما بعد الحرب منحت الطيارين البريطانيين حصانة دبلوماسية، ما حدّ من قدرتهم على الاعتراض المباشر، رغم تسجيل حوادث مضايقة متكررة.

وفي إحدى الحالات، تعرضت طائرة Chipmunk لأضرار نتيجة إطلاق نار من جندي مشاة سوفييتي، كما رُصدت حالات ملاحقة جوية للطائرات البريطانية.

ومع تصاعد التوترات في ألمانيا الشرقية، وتزايد محاولات إخفاء النشاط العسكري السوفييتي عبر إنشاء "مناطق محظورة دائمة"، ازدادت أهمية هذه المهام الاستخباراتية.

كما ساهم بناء جدار برلين عام 1961 في تعزيز الوجود العسكري السوفييتي، بما في ذلك نشر أنظمة دفاع جوي وصواريخ أرض–أرض حول المدينة، في حين أفادت تقارير بأن طائرات Chipmunk كانت من أوائل الوسائل التي وثّقت إجراءات الإغلاق الحدودي السوفييتي.

وبحلول أواخر ستينات القرن الماضي، تم تزويد بعض الطائرات بكاميرات ثابتة عالية القدرة، إضافة إلى تحديث أنظمة الاتصالات.

ووفقا لشهادات طيارين، كانت الكاميرات قادرة على التقاط تفاصيل دقيقة للغاية تصل إلى "قراءة اسم الشركة المصنعة على دبابة إذا كانت فتحة البرج مفتوحة".

كما سجلت إحدى المهام حادثة اعتراض من قبل مروحية هجومية سوفييتية من طراز Mi-24 Hind، التي قامت بمرافقة طائرة Chipmunk من قاعدة أورانينبورغ شمال برلين حتى خارج المنطقة.

ومن أبرز المواقع المستهدفة قاعدة ويرنويخن الجوية السوفييتية، التي استضافت لاحقا طائرات استطلاع من طراز MiG-25 Foxbat وقاذفات بعيدة المدى، وكانت تقع ضمن "منطقة محظورة دائمة"، ما جعل الوصول إليها بريا شبه مستحيل، ومع ذلك، كانت طائرات Chipmunk تقترب بما يكفي لتصوير الطائرات السوفييتية على المدرجات، مع الالتزام الصارم بعدم تجاوز خطوط قد تؤدي إلى إسقاطها.

وفي تطور بالغ الأهمية، كُشف لاحقا أن إحدى الطائرات جُهزت بأجهزة استخبارات إلكترونية (ELINT) عام 1981 بموافقة رئيس الوزراء البريطاني، وهو ما لم يُعلن عنه رسميا إلا في عام 2024.

وقد استُخدمت هذه الأجهزة لرصد أنظمة رادار سوفييتية حديثة، بما في ذلك الرادار المرتبط بمنظومة الدفاع الجوي القصير المدى SA-13 Strela-10.

واستمرت هذه العمليات حتى انهيار جدار برلين في نوفمبر 1989، وهو الحدث الذي مثّل بداية النهاية الفعلية لعمليات الاستطلاع داخل المدينة، وفي عام 1990، تم إنهاء مهام BRIXMIS رسميا، ما أدى إلى توقف جميع طلعات الاستطلاع الجوي من نوع Chipmunk.

وبحلول عام 1994، أُغلقت قاعدة RAF Gatow بالكامل، وغادرت آخر طائرة Chipmunk الخدمة من برلين، منهية بذلك فصلًا فريدا من تاريخ الطيران العسكري، حيث لعبت طائرة تدريب بسيطة دورا محوريا في جمع معلومات استخباراتية ساهمت في موازنة التوترات بين الشرق والغرب خلال واحدة من أكثر مراحل الحرب الباردة حساسية.