في الصين، يكشف موقع أثري ضخم يضم ما يُقدَّر بنحو 8 آلاف جندي من الطين بالحجم الطبيعي عن مستوى متقدم من التنظيم الإنتاجي في عهد الإمبراطورية الأولى، كما يسلّط الضوء على أسلحة برونزية محفوظة منذ أكثر من 2000 عام، في واحدة من أهم الاكتشافات الأثرية في القرن العشرين.

ويُعرف هذا الموقع باسم جيش التيراكوتا، وهو جزء من مجمع ضريح الإمبراطور الصيني الأول تشين شي هوانغ، الذي لا تزال غرفته الجنائزية الرئيسية مغلقة حتى اليوم.

ويواصل هذا الموقع، منذ اكتشافه عام 1974 قرب مدينة شيآن، تقديم معطيات جديدة حول الإدارة الإمبراطورية، وتقنيات الإنتاج الحِرفي، والتطور المبكر في مجالات الفخار والمعادن في الصين القديمة.

اكتشاف مصنف ضمن التراث العالمي

تم اكتشاف جيش التيراكوتا بالصدفة عام 1974 في مقاطعة شنشي، ليُكشف لاحقاً أنه جزء من مجمع جنائزي واسع يضم نحو 200 حفرة أثرية مرتبطة بالضريح الإمبراطوري، وقد أدرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) الموقع ضمن قائمة التراث العالمي عام 1987.

وبحسب تقديرات اليونسكو، يحتوي المجمع على آلاف التماثيل من الجنود والخيول المصنوعة من الفخار، إلى جانب عربات برونزية وأسلحة وهياكل معمارية موزعة على مساحة شاسعة.

ويُستخدم تقدير يقارب 8 آلاف تمثال لتوصيف حجم المشروع، رغم أن جزءاً فقط من هذه التماثيل تم اكتشافه أو إخراجه حتى الآن، إذ جرى دراسة أو استخراج أكثر من 2000 محارب في مراحل مختلفة من أعمال التنقيب.

مشروع إمبراطوري امتد لعقود

بدأ بناء الضريح عام 246 قبل الميلاد، حين كان تشين شي هوانغ حاكماً لدولة تشين، ثم توسع المشروع بعد توحيد الصين عام 221 قبل الميلاد، واستمر العمل فيه حتى وفاة الإمبراطور عام 210 قبل الميلاد.

ويُنظر إلى هذا المجمع باعتباره مشروعاً جنائزياً إمبراطورياً واسع النطاق، لا يقتصر على تماثيل الجنود فحسب، بل يشمل نظاماً معمارياً ومجموعة من المدافن والهياكل المرافقة، ما يعكس مستوى غير مسبوق من تعبئة الموارد في تلك الحقبة.

أسلوب تصنيع "شبه صناعي" للتماثيل

تشير الدراسات الأثرية إلى أن تماثيل الجنود لم تُصنع كوحدات كاملة من الطين، بل عبر نظام إنتاج يعتمد على تجزئة الأجزاء، فقد كانت الرؤوس والأذرع والساقان والجذوع تُشكّل بشكل منفصل باستخدام قوالب معيارية، ثم تُجمع قبل عملية الحرق في الأفران.

هذا الأسلوب سمح بتحقيق توازن بين الإنتاج الكمي والتنوع الفردي، حيث جرى توحيد المراحل الأساسية للتصنيع، بينما أُضيفت التفاصيل النهائية يدوياً لكل تمثال على حدة.

وتشمل هذه التفاصيل تسريحات الشعر، والملامح الوجهية، والشارب، والدروع، ووضعيات الوقوف، ما ساهم في إظهار اختلافات بين الرتب العسكرية، مثل الرماة، والمشاة، وقادة العربات.

كما استخدم الحرفيون تقنيات فنية متقدمة في صناعة الفخار، حيث صُممت التماثيل بجوف داخلي لتقليل احتمالات التشقق أثناء الحرق، مع إضافة قواعد داعمة للأجزاء الثقيلة.

وبعد ذلك، كانت التماثيل تُغطى بطبقات من الطلاء والألوان، بما في ذلك مادة اللاكيه، إلا أن جزءاً كبيراً من هذه الألوان فُقد بعد تعرضها للهواء.

أسلحة برونزية بحالة حفظ استثنائية

إلى جانب التماثيل، اكتُشفت داخل الحفر مجموعة كبيرة من الأسلحة البرونزية تشمل سيوفاً، ورماحاً، وآليات للأقواس، وآلاف رؤوس السهام، وقد ظهرت في حالة حفظ جيدة بشكل لافت، إذ بدت بعض الأسلحة لامعة وحادة حتى بعد أكثر من ألفي عام.

ولسنوات طويلة، فُسّر هذا الحفظ الاستثنائي على أنه نتيجة تقنية طلاء بالكروم ابتكرها الصينيون القدماء، إلا أن أبحاثاً علمية حديثة، من بينها دراسة نُشرت عام 2019، أعادت تقييم هذا الافتراض.

وخلصت الدراسة إلى أن وجود آثار الكروم لا يرتبط مباشرة بعملية حماية متعمدة للأسلحة، بل يظهر غالباً في مناطق قريبة من مواد عضوية مثل مقابض الخشب والخيزران، والتي كانت مغطاة باللاكيه.

وبحسب باحثين من جامعة كوليدج لندن (UCL)، فإن عوامل أخرى لعبت دوراً في الحفاظ على الأسلحة، من بينها تركيب البرونز نفسه، الذي يحتوي على نسب ملحوظة من القصدير، إضافة إلى خصائص التربة في منطقة شيآن، والتي تتميز بحموضة معتدلة، وحبيبات دقيقة، وانخفاض في المحتوى العضوي.

وأظهرت تجارب محاكاة للتآكل أن نسخاً حديثة مدفونة في تربة شيآن كانت أكثر مقاومة للتلف مقارنة بعينات دُفنت في تربة أخرى، ما يدعم دور البيئة المحلية في حفظ القطع الأثرية.

تنوع بصري يعكس بنية عسكرية منظمة

تُعد الاختلافات بين تماثيل الجنود من أبرز سمات الموقع، حيث تظهر تنوعاً واضحاً في الملامح، وتسريحات الشعر، والملابس، ووضعيات الجسد.

ويرى الباحثون أن هذه الاختلافات تعكس النظام العسكري في أواخر فترة "الممالك المتحاربة" وبدايات الإمبراطورية الموحدة، إذ تمثل التماثيل فئات عسكرية متعددة تشمل المشاة، والرماة، وقادة العربات.

ورغم هذا التنوع، لا يوجد دليل قاطع على أن كل تمثال يمثل شخصية حقيقية بعينها. وتشير الدراسات إلى أن النموذج الإنتاجي اعتمد على قوالب موحدة مع تعديلات يدوية، ما أتاح إنتاج آلاف التماثيل مع الحفاظ على تنوع بصري دقيق.

المقبرة الإمبراطورية ما زالت مغلقة

على الرغم من شهرة جيش التيراكوتا، لا تزال الحجرة الجنائزية الرئيسية للإمبراطور تشين شي هوانغ غير مفتوحة حتى اليوم، ويعود ذلك إلى مخاوف علمية تتعلق بحفظ المواد الأثرية الحساسة داخلها، والتي قد تشمل أصباغاً، وخشباً، وأقمشة، ولاكيه، ومواد عضوية قابلة للتلف السريع عند التعرض للهواء.

وتشير روايات تاريخية، أبرزها ما ورد لدى المؤرخ الصيني سيما تشيان، إلى احتمال وجود تصميم داخلي معقد للمقبرة يتضمن أنهاراً من الزئبق تمثل الأنهار والبحار.

ورغم أن هذه الروايات كُتبت بعد وفاة الإمبراطور بأكثر من قرن، فإن التحاليل الحديثة أظهرت مستويات مرتفعة من الزئبق في تربة الموقع، ما أبقى هذه الفرضية محل نقاش علمي.

وبسبب هذه المعطيات، تركز أعمال التنقيب حالياً على أساليب غير تدميرية، تشمل المسح العلمي، والدراسات المخبرية، والتنقيب الجزئي، بهدف الحفاظ على الموقع دون الإضرار بمحتوياته غير المكتشفة.

يمثل مجمع ضريح تشين شي هوانغ، بما يحتويه من جيش التيراكوتا والأسلحة البرونزية والبنية الجنائزية الواسعة، أحد أهم الشواهد الأثرية على التنظيم الإمبراطوري المبكر في الصين، ويظل حتى اليوم مصدراً أساسياً لفهم تطور الإدارة والإنتاج والتقنيات الحِرفية في العالم القديم.