حرب روسيا وأوكرانيا لا تقتصر على ميدان القصف وتبادل النيران، بل تتعداه إلى ميدان الذاكرة التاريخية والهوية والانتماء.

من تجليات هذا الصراع إصدار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أوامره بوقف إطلاق النار يومي 8 و9 مايو الجاري، احتفالاً بالذكرى الـ81 لانتصار الشعب السوفييتي في الحرب العالمية الثانية، المسماة في الأدبيات الروسية «الحرب الوطنية العظمى».

وفيما أعربت موسكو عن الأمل بأن يحذو الجانب الأوكراني حذوها، رد الرئيس الأوكراني ‌فولوديمير زيلينسكي بمبادرة مضادة وتوقيت مختلف، معلناً عن وقف لإطلاق النار يومي 5 و6 مايو.



هل هي مجرد مناكفة عبثية وتلاعب بالتواريخ؟ لا يبدو الأمر كذلك، ولا هو مجرد تباين تقني في حساب الساعات، بل مواجهة على جبهة الزمن والذاكرة.

فحين اختار فلاديمير بوتين يومي 8 و9 مايو لوقف إطلاق النار، كان يستدعي ذروة الذاكرة الروسية المرتبطة بالنصر في الحرب العالمية الثانية، حيث يتجاوز يوم 9 مايو حدود الذكرى كتقليد سنوي، إلى ركيزة للهوية ومصدر متجدد لشرعية القوة والعظمة ونشيد النصر.

لحن الذاكرة 

 في المقابل، لم تكتفِ كييف برفض هذا التوقيت، بل اختارت القفز خارجه تماماً، وكأنها باختيارها 5 و6 مايو، تريد فصل إيقاع الحرب الجارية عن الإيقاع الذي تريد موسكو استحضاره ليرافق لحن الذاكرة.هذا الافتراق لم يولد مع الحرب الحالية، بل تبلور رسمياً سنة 2023 حين وقّع زيلينسكي تشريعاً نقل بموجبه موعد الذكرى من 9 إلى 8 مايو، مقتبساً «يوم الذكرى والانتصار على النازية» من أجندة الأوروبيين، ليتخلى بذلك عن إرث البزة السوفييتية التقليدية لمصلحة البدلة الأوروبية.

وبهذا المعنى لم يكن التغيير شكلياً، بل حمل دلالات متعدّدة، أولاها القطيعة مع الإرث السوفييتي الذي تحتفظ به روسيا وتعيد توظيفه سياسياً وتعبوياً، وثانيتها الانخراط في الفضاء الأوروبي الذي يحتفل في 8 مايو بنهاية الحرب في القارة، وثالثتها إعادة تعريف المناسبة من احتفال عسكري إلى لحظة تأمل إنساني في كلفة الحرب. وللإيغال في تبديل ذاكرة أوكرانيا - رغم أنها جزء من الذاكرة السوفييتية -

حوّل زيلينسكي 9 مايو إلى «يوم أوروبا»، في إشارة رمزية مكثفة إلى الاتجاه الذي تريد أوكرانيا تثبيته لهويتها السياسية

انقسام حاد

ورغم أن الفارق بين 8 و9 مايو يعود تقنياً إلى لحظة توقيع استسلام ألمانيا النازية مساء 8 مايو بتوقيت برلين، والذي صادف دخول يوم 9 مايو في موسكو، فإن هذا التفصيل الزمني تحوّل راهناً إلى خط انقسام حاد،

حيث إن روسيا تتمسك باليوم الذي يوافق توقيتها وتاريخها السوفييتي، بينما تعتمد أوكرانيا التوقيت الأوروبي للتعبير عن انتماء مختلف، ولتحويل الذاكرة إلى أداة اصطفاف جيوسياسي.وهنا لا يتعلق الأمر بتباين فني حول توقيت الحدث، أو ما يشبه الاختلاف بين توقيت صيفي وآخر شتوي يجري التعبير عنه بتقديم الساعة ستين دقيقة، بقدر ما يكشف عن صراع أعمق على تعريف التاريخ.

تثبيت 

روسيا تحاول تثبيت استمرارية زمنها السوفييتي وإسقاطه على الحاضر، بينما تعمل أوكرانيا - ما بعد الـ2014 - على إعادة كتابة هذا الزمن نفسه حتى وإن كانت جزءاً منه، بدءاً من تغيير يوم الذكرى، وصولاً إلى اختيار توقيتات مستقلة حتى في أكثر اللحظات حساسية كوقف إطلاق النار.

هل من حسم لهذه الحرب الموازية؟ بالتأكيد، المنتصر في الميدان العسكري سيكون المنتصر على جبهة الذاكرة.