بعد أن نجحت البارجة الألمانية "بسمارك" في إغراق البارجة البريطانية "HMS Hood" خلال دقائق معدودة فقط في مواجهة بحرية حاسمة، تحولت إلى هدف لأكبر عملية مطاردة بحرية في الحرب العالمية الثانية، شاركت فيها عشرات السفن البريطانية من بوارج وحاملات طائرات وطرادات ومدمرات، وانتهت بإغراقها في المحيط الأطلسي في 27 مايو 1941.

وتعود تفاصيل القصة إلى واحدة من أكثر المواجهات البحرية إثارة في الحرب، حين خرجت "بسمارك" إلى الأطلسي ضمن ما عُرف بـ"عملية راينهوبونغ"، بهدف مهاجمة قوافل الحلفاء التجارية وكسر الحصار البحري البريطاني.

صعود "بسمارك" كأقوى سفينة حربية ألمانية

أُطلقت البارجة "بسمارك" في هامبورغ وسط مراسم ذات طابع دعائي، لتجسد عودة القوة البحرية الألمانية في مواجهة التفوق البريطاني، وحملت اسم المستشار الألماني أوتو فون بسمارك، رمز الوحدة الإمبراطورية الألمانية.

وبلغ وزن السفينة أكثر من 50 ألف طن عند التحميل الكامل، بطول ضخم وتسليح رئيسي مكوّن من ثمانية مدافع عيار 15 بوصة، ما جعلها واحدة من أقوى البوارج في ذلك الوقت، وصُممت لتكون منصة قتالية بعيدة المدى قادرة على الاشتباك والصمود وإحداث تأثير استراتيجي في الأطلسي.

ورغم ذلك، أظهرت الاختبارات التشغيلية بعض القيود، بينها صعوبات في المناورة في ظروف بحرية معينة، وتأخرات لوجستية، إضافة إلى فترات توقف قبل دخولها الخدمة الفعلية بقيادة القبطان إرنست ليندمان.

عملية "راينهوبونغ" وبداية المطاردة

في أوائل عام 1941، ومع تضرر عدد من القطع البحرية الألمانية أو عدم جاهزيتها، تقرر استخدام "بسمارك" كأداة رئيسية لشن هجوم بحري في الأطلسي.

وانطلقت العملية برفقة الطراد الثقيل "برينتس أويغن"، عبر النرويج ثم مضيق الدنمارك باتجاه المحيط الأطلسي، على أن تتجه السفن لاحقاً إلى ميناء بريست في فرنسا المحتلة بعد استهداف السفن التجارية البريطانية.

لكن العملية فقدت عنصر المفاجأة سريعاً، بعد أن رصدت سفينة سويدية التشكيل الألماني، ثم التقطت طائرة استطلاع بريطانية صوراً له، لتصل المعلومات إلى لندن، حيث بدأت البحرية الملكية إعداد خطة اعتراض واسعة النطاق.

معركة مضيق الدنمارك.. تدمير "HMS Hood"

في فجر 24 مايو 1941، واجهت "بسمارك" كلّاً من البارجة البريطانية "HMS Hood" والبارجة "Prince of Wales" في مضيق الدنمارك.

بدأ الاشتباك من مسافات بعيدة، حيث ارتكبت القوات البريطانية خطأ تكتيكياً تمثل في تركيز نيرانها على الطراد المرافق "Prinz Eugen"، ما منح "بسمارك" أفضلية في التصويب.

وخلال دقائق، أصابت إحدى قذائف "بسمارك" البارجة "Hood" إصابة مباشرة في منطقة الذخيرة، ما أدى إلى انفجار كارثي قسم السفينة إلى نصفين وأغرقها سريعاً. وأسفر ذلك عن مقتل أكثر من 1400 بحار، ولم ينجُ سوى ثلاثة.

ورغم ذلك، تمكنت "Prince of Wales" من إلحاق بعض الأضرار بـ"بسمارك"، بينها إصابة تسببت في تسرب للوقود من المقدمة، قبل أن تنسحب من الاشتباك.

قرار بريطاني بالمطاردة الشاملة

أثار تدمير "Hood" صدمة كبيرة في بريطانيا، ودفع رئيس الوزراء ونستون تشرشل إلى إصدار أوامر مباشرة باعتبار "بسمارك" هدفاً ذا أولوية قصوى يجب تدميره بأي ثمن.

وبناءً على ذلك، أطلقت البحرية الملكية أكبر عملية مطاردة بحرية في الحرب، شاركت فيها ست بوارج، وحاملتا طائرات، وعدد كبير من الطرادات وأكثر من 20 مدمرة، مع انتشار واسع في شمال الأطلسي.

لكن "بسمارك" كانت قد تعرضت بالفعل لأضرار تشغيلية، أبرزها تسرب الوقود الذي كشف مسارها، إضافة إلى تأثر مقدمتها، فيما واصلت وحدات الاستطلاع البريطانية تتبع موقعها ونقله بشكل مستمر.

وكان الهدف الألماني هو الوصول إلى السواحل الفرنسية الخاضعة للاحتلال الألماني آنذاك، حيث يمكن توفير حماية جوية ودعم لوجستي، إلا أن الضغط البريطاني كان يتزايد باستمرار.

الضربة الحاسمة.. الطوربيد وتعطيل الدفة

في خضم المطاردة، تعرضت "بسمارك" لهجوم جوي من طائرات طوربيد بريطانية من طراز "Swordfish"، وسط ظروف بحرية وجوية صعبة.

ورغم أن الهجوم الأول لم يحقق نتائج حاسمة، فإن ضربة لاحقة بطوربيد أصابت مؤخرة السفينة وأدت إلى تعطيل نظام التوجيه والدفة.

ونتيجة لذلك، فقدت "بسمارك" القدرة على المناورة وأصبحت تدور في دوائر بطيئة في عرض البحر، ما جعلها عملياً محاصرة وغير قادرة على الهروب.

وخلال الليل، واصلت المدمرات البريطانية تنفيذ هجمات متتالية لإبقاء السفينة تحت الضغط ومنع أي محاولة لإصلاح الأضرار.

النهاية.. غرق "بسمارك" في 27 مايو 1941

في صباح 27 مايو 1941، حاصرت البوارج البريطانية "Rodney" و"King George V" السفينة الألمانية، مدعومة بطرادات اقتربت للمشاركة في القصف النهائي.

ومع فقدان أنظمة التحكم والسيطرة وتدمير جزء كبير من منظومة التسليح، بدأت "بسمارك" تتلقى ضربات متواصلة أدت إلى تدمير هيكلها العلوي وإسكات مدافعها الرئيسية تدريجياً.

وبعد نحو 90 دقيقة من القصف المكثف، مالت السفينة وغرقت في أعماق الأطلسي. ولم ينجُ سوى ما يزيد قليلاً على 100 بحار من أصل أكثر من 2200 شاركوا في العملية.

تداعيات استراتيجية ورمزية

مثّل غرق "بسمارك" نقطة تحول مهمة للبحرية الملكية البريطانية، التي استعادت توازنها المعنوي بعد خسارة "Hood"، كما عزز الحدث من سيطرة بريطانيا على الأطلسي في تلك المرحلة من الحرب.

أما ألمانيا، فقد دفعها فقدان السفينة إلى إعادة تقييم استراتيجيتها البحرية، حيث قيد هتلر لاحقاً استخدام البوارج الكبيرة في العمليات الهجومية المباشرة.

وبذلك، انتهت "بسمارك" كواحدة من أكثر السفن الحربية إثارة للجدل في التاريخ العسكري، إذ جمعت بين قوة نارية هائلة، وتأثير استراتيجي قصير العمر، ونهاية سريعة بعد مطاردة بحرية غير مسبوقة في تاريخ الحروب.