تحت طبقات الجليد المترامية في القطب الجنوبي، تكمن كنوز هائلة من الذهب والفضة والنحاس والحديد، ربما تغيّر موازين القوة الاقتصادية والجغرافية في العالم. ومع ذوبان الجليد بوتيرة متسارعة بسبب تغير المناخ، بدأت هذه الثروات المخفية بالظهور تدريجيا، ما يفتح الباب أمام سباق دولي محتمل لاستغلالها.

دراسة حديثة كشفت أن الأراضي التي ستنكشف مستقبلاً قد تحتوي على معادن بالغة الأهمية للصناعة والاقتصاد العالمي، ما يجعل القارة المتجمدة مركزًا للصراع السياسي والتنافس الدولي، حتى قبل أن يصبح استخراج المعادن مسموحًا وفقًا لمعاهدة أنتاركتيكا.

وتوصلت الدراسة إلى أن ذوبان الجليد، وارتداد الأرض، وارتفاع منسوب البحار ستغير الموارد المتاحة في القارة القطبية الجنوبية.

وكشفت أن تغير المناخ قد يؤدي إلى كشف مساحة من الأرض الخالية من الجليد بحجم ولاية بنسلفانيا في القارة القطبية الجنوبية بحلول عام 2300، الأمر الذي قد يعيد تشكيل الجغرافيا السياسية للقارة القطبية الجنوبية بشكل جذري، فضلاً عن جغرافية القارة.

تُعدّ دراسة نُشرت في مجلة "نيتشر كلايمت تشينج" الأولى من نوعها التي تُدمج التكيف الجليدي المتساوي، أي كيفية ارتفاع الأرض تحت الصفائح الجليدية الثقيلة بعد انحسار الجليد، في توقعات ظهور أراضٍ خالية من الجليد في القارة القطبية الجنوبية. وتُشير النتائج إلى أن تغير المناخ قد يُعرّض موارد معدنية قيّمة محتملة، مما قد يُحفّز إعادة التفاوض على المعاهدات الدولية التي تُنظّم شؤون القارة القطبية الجنوبية حاليًا.

مع ظهور المزيد من الأراضي الخالية من الجليد في القارة القطبية الجنوبية، وقالت إريكا لوكاس ، عالمة الجيوفيزياء بجامعة كاليفورنيا في سانتا كروز،وهي المؤلفة الرئيسية للدراسة الجديدة" إن الدول قد تزداد اهتماما بإمكانياتها من الموارد المعدنية."

تحت الغطاء الجليدي في القارة القطبية الجنوبية، تكمن تضاريس متنوعة تضم جبالاً وأودية وبراكين. ومع ارتفاع درجة حرارة المناخ، يتراجع الغطاء الجليدي ببطء، كاشفاً عن جزء من تلك الأرض.

لكن حتى الآن، اقتصرت توقعات ظهور اليابسة الخالية من الجليد على دراسة التغيرات في هوامش الجليد، أي كيفية تغير الامتداد المكاني للغطاء الجليدي. ولم تأخذ عمليات محاكاة مستقبل اليابسة المتاحة في القارة القطبية الجنوبية في الحسبان كيفية ارتفاع الأرض بمجرد انكشافها عن الجليد، أو كيف ستؤثر سيناريوهات مستوى سطح البحر المختلفة على مساحة اليابسة الخالية من الجليد التي قد تظهر.

تضمنت توقعات لوكاس هذه العوامل من خلال دمج التغيرات المتوقعة في مستوى سطح البحر ، ومعلومات حول سمك الغلاف الصخري للأرض، وتقديرات لكيفية تأثير غياب قوة الجاذبية للغطاء الجليدي على ارتفاع الأرض.

قدّرت الدراسة أن 120,610 كيلومترًا مربعًا (46,578 ميلًا مربعًا)، و36,381 كيلومترًا مربعًا (14,047 ميلًا مربعًا)، و149 كيلومترًا مربعًا (58 ميلًا مربعًا) من اليابسة ستظهر بحلول عام 2300 في ظل ظروف ذوبان الجليد المرتفعة والمتوسطة والمنخفضة على التوالي.

وقال لوكاس: "نعلم أننا شهدنا انحسارا للجليد وتراجعا لخط التماس مع سطح الأرض خلال العقدين الماضيين"، لذا فإن نطاقات ظهور اليابسة الخالية من الجليد المتوقعة لم تكن مفاجئة.

تقع ضمن المنطقة التي توقع لوكاس وفريق البحث أن تصبح خالية من الجليد بحلول عام 2300، رواسب معروفة أو مشتبه بها من النحاس والذهب والفضة والحديد والبلاتين، وهي معادن بالغة الأهمية تُستخدم في الصناعة، فضلاً عن كونها معادن ثمينة بحد ذاتها. وقد وجدت الدراسة، على وجه الخصوص، أن أكبر بروز لليابسة في القارة القطبية الجنوبية من المرجح أن يحدث فوق أراضٍ تطالب بها الأرجنتين وتشيلي والمملكة المتحدة، وتحتوي على مجموعة متنوعة من الرواسب المعدنية، بما في ذلك النحاس والذهب والفضة والحديد.

حالياً، لا يُسمح باستخراج المعادن التجارية في القارة القطبية الجنوبية، على الرغم من أن معاهدة أنتاركتيكا تسمح بالأنشطة المتعلقة بالموارد المعدنية إذا تم إجراؤها لأغراض علمية بحتة.

يشير مؤلفو الدراسة إلى أنه إذا أصبح استخراج الموارد المعدنية أسهل، فسيكون لدى الدول التي لها مطالبات إقليمية في القارة القطبية الجنوبية حافز لإعادة التفاوض على بنود تلك المطالبات. وتُتاح الفرصة الأولى لإعادة التفاوض في عام 2048، عندما يُسمح لأطراف معاهدة أنتاركتيكا بالدعوة إلى مراجعة البروتوكول البيئي للمعاهدة .

ويرى الباحثون أن هذه التغيرات في أراضي القارة القطبية الجنوبية قد تُشكل ضغطا على الإطار القانوني للمنطقة فيما يتعلق بأنشطة الموارد المعدنية.