في ما يشبه «المقاطعة الصامتة»، يغيب وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث، عن اجتماع وزراء دفاع حلف الناتو، المقرر غداً الخميس. هذا الغياب، بحسب مراقبين، حلقة في استراتيجية «الإخراج الهادئ» التي تتبعها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لإعادة تشكيل علاقة أمريكا بالحلف وبالقارة العجوز.
للمرة الثانية على التوالي، تُحرم اجتماعات «الناتو» من التمثيل الوزاري الأمريكي رفيع المستوى؛ فبعد غياب وزير الخارجية ماركو روبيو، عن اجتماع ديسمبر الماضي، يأتي غياب هيغسيث هذه المرة ليعزز مخاوف الحلفاء. وبحسب أوانا لونغيسكو، المتحدثة السابقة باسم الحلف، فإن هذا التكرار «يبعث برسالة سلبية للغاية في وقت يسوده توتر شديد»، ويؤكد أن واشنطن لم تعد تعتبر «الناتو» منصة للتشاور، بل مجرد أداة لتنفيذ إملاءاتها.
قبل موضوع الغياب، دخلت إدارة ترامب الأسبوع الماضي مرحلة «التنفيذ العملياتي» لفك الارتباط، عبر خطوات ميدانية غير مسبوقة، حيث أعلن «الناتو» رسمياً، يوم الجمعة الماضي، عن إعادة توزيع المسؤوليات؛ حيث ستسلم الولايات المتحدة قيادة «نورفوك» في فرجينيا للمملكة المتحدة، وقيادة «نابولي» في إيطاليا لضباط إيطاليين.
عملية الأوربة
هذا التحول يعني أن جميع مراكز القيادة العملياتية الثلاثة للحلف ستدار بالكامل من قبل أوروبيين لأول مرة، ما يعكس رغبة ترامب في أن «يتولى الأوروبيون قيادة شؤونهم بأنفسهم».
وخلف هذا الانسحاب المتدرج، تكمن «لغة التهديد» التي باتت ركيزة في خطاب ترامب. فوفقاً لـ «وثيقة الدفاع الوطني 2026» الصادرة أخيراً، تربط واشنطن استمرار «المظلة الأمنية» بفاتورة مالية جديدة، حيث لم تعد نسبة 2% كافية، ويضغط ترامب الآن لرفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي، وهو ما يراه الحلفاء ضريبة «حماية» قاسية تفوق قدرات ميزانياتهم.
الأشد وطأة بالنسبة للأوروبيين هو ما يشبه رفع الغطاء عن «المقصرين»، إذ سبق لترامب أن هدد بأن الدول التي لا تدفع «لن تتمتع بحماية أمريكا»، بل ذهب أبعد حين قال إنه «سيترك روسيا تفعل ما تشاء» بالدول التي ترفض سداد حصتها، محولاً المادة الخامسة من التزام قانوني إلى «عقد تجاري».
استقلال قسري
بعض قادة ومسؤولي «الناتو» والدول الأوروبية يحاولون في ردودهم على السياسات الأمريكية، توجيه رسائل مفادها أنهم قادرون على بناء أمنهم الذاتي، مع تشكيك البعض الآخر بهذه القدرة، ويلوّحون أحياناً بإجراءات جوابية على القرارات الأمريكية. ورغم ذلك تكشف مصادر من داخل أروقة الحلف عن حالة من «الذعر السياسي».
الأمين العام للحلف مارك روته، حاول في مؤتمره الصحافي الأخير ببروكسل امتصاص الصدمة، لكنه حذّر ضمناً من أن «التضامن الأطلسي لا يتجزأ»، في إشارة إلى أن غياب القيادة الأمريكية يضعف قوة الردع الجماعي.
واستغل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، هذه التطورات ليعيد إحياء دعوته لـ «السيادة الأوروبية»، مؤكداً أن أوروبا لا يمكن أن تظل «رهينة للأمزجة الانتخابية في واشنطن»، داعياً إلى تسريع إنشاء ميزانية دفاع أوروبية مستقلة.
ووصفت أوساط دبلوماسية ألمانية غياب هيغسيث عن اجتماع وزراء دفاع حلف الناتو بأنه «إهانة بروتوكولية» تهدف لإجبار ألمانيا على قبول شروط الإنفاق الجديدة دون نقاش.
ما يحدث اليوم في بروكسل هو تطبيق عملي لعقيدة ترامب التي تهدف لتحويل أمريكا من «قائدة للناتو» إلى «شريكة عن بُعد». ومن خلال سحب الوزراء، وتسليم القيادات الميدانية، ووضع شروط مالية تعجيزية، يضع ترامب حلفاءه أمام واقع جديد؛ إما بناء هيكل دفاعي مستقل وباهظ التكاليف، وإما الانصياع الكامل لابتزاز «أمريكا الترامبية» التي لم تعد ترى في أمن أوروبا مصلحة حيوية مجانية.
