لا يعود الشاب من نزوله الأول إلى البيت بالطريقة التي غادره بها، على الرغم من كون الباب هو ذاته، والوجوه التي تنتظره لم تتغير، وغرفته ما زالت تحتفظ بتفاصيله الصغيرة، لكن شيئاً ما أصبح مختلفاً في طريقة دخوله وحديثه ونظرته إلى الوقت وإلى الأشخاص من حوله.

ومع أول نزول لمنتسبي برنامج «بلادي» ومجندي الدفعة السادسة والعشرين من الخدمة الوطنية، لم تستقبل الأسر أبناءها فحسب، وإنما بدأت تكتشف ملامح مرحلة جديدة في شخصياتهم، مرحلة صنعت خلال فترة قصيرة إحساساً أوضح بالمسؤولية والانضباط والعمل الجماعي، ومنحت كلمات مثل الواجب والانتماء معنى يتجاوز ما تحمله الخطب والشعارات.

جيلان يلتقيان

في عدد من البيوت، حملت لحظة العودة معنى إضافياً، آباء وإخوة سبق لهم ارتداء الزي وخوض التجربة وجدوا في الأبناء صورة تعيد إليهم ذكريات البدايات الأولى، من رهبة اليوم الأول إلى مشقة التدريب ثم الشعور التدريجي بالثقة والقدرة على التحمل.

وقد تختلف تفاصيل التدريب بين جيل وآخر، وتتطور الأساليب والبرامج والمهارات، إلا أن التجربة تحتفظ بجوهرها، فإنها تنقل الشاب من مساحة الحياة الفردية إلى إدراك أن الوقت والقرار والجهد الشخصي ترتبط جميعها بفريق وغاية أكبر.

ومن هنا تتحول العودة الأولى إلى لقاء بين جيلين من الخدمة، جيل يستعيد التجربة من ذاكرته، وجيل يعيشها للمرة الأولى، فلا يحتاج الأب في هذه اللحظة إلى شرح طويل، فهو يرى في وقفة ابنه ونظامه وهدوئه ما قد لا تلاحظه العين العابرة.

مسيرة أجيال

وتقف الدفعة الـ26 اليوم في امتداد مسيرة بدأت قبل 12 عاماً، ففي 31 أغسطس 2014، استقبلت مراكز التدريب الدفعة الأولى من المواطنين والمواطنات تطبيقاً لقانون الخدمة الوطنية والاحتياطية.

ووصفت هيئة الخدمة الوطنية والاحتياطية ذلك اليوم آنذاك بأنه محطة تاريخية تشهد للمرة الأولى التحاق شباب الإمارات بالخدمة ضمن منظومة وطنية متكاملة.

وبدأت التجربة بمدة خدمة بلغت تسعة أشهر، ثم تطورت بالتوازي مع احتياجات الشباب ومتطلبات الجاهزية، وفي عام 2016 أصبحت المدة 12 شهراً، وارتفعت إلى 16 شهراً في 2018، قبل تعديل مدة الخدمة لفئة الطلاب إلى 12 شهراً عام 2022.

ولم يقتصر التطور على التدريب العسكري، فقد شهدت السنوات الماضية إطلاق برامج للمهارات الإلكترونية والتسجيل الرقمي والدراسة الجامعية عن بُعد أثناء الخدمة، إلى جانب توفير أجهزة لوحية للمجندين واعتماد ست ساعات أكاديمية لهم في مؤسسات التعليم العالي.

كما ارتفع عدد الجهات المدنية المفعّل لديها مسار الخدمة البديلة من 22 جهة عام 2023 إلى 39 جهة خلال 2024.

وتعاقب 26 دفعة يوضح اتساع التجربة وتحولها إلى ذاكرة مشتركة داخل الأسر الإماراتية، فأبناء الدفعات الأولى أصبحوا اليوم آباء وإخوة وزملاء يقدمون خبراتهم لمن يلتحقون بالمسيرة من بعدهم.

بيت مختلف

وتكشف العودة إلى المنزل مقدار التغيير الذي حدث، فبعد أيام يسير فيها الوقت وفق برنامج واضح، تبدو الساعات المفتوحة مختلفة، وبعد الاعتياد على أداء المهمات ضمن فريق، تصبح التفاصيل اليومية في البيت أكثر حضوراً وقيمة.

وقد يكتشف المنتسب أن الأشياء التي اشتاق إليها لم تكن كبيرة كما توقع، فمثلاً جلسة الأسرة ووجبة اعتادها وصوت أحد والديه والهدوء في غرفته، كلها تفاصيل كانت جزءاً عادياً من يومه، ثم أصبحت بعد الغياب امتيازاً يستحق التقدير.

ويظهر التحول كذلك في العلاقة مع المسؤوليات المنزلية، فالشاب الذي اختبر معنى الالتزام الجماعي يعود أكثر إدراكاً لأثر أفعاله في الآخرين، وأكثر قدرة على فهم التعب الذي تتحمله أسرته، وأقل ميلاً إلى اعتبار ما يحصل عليه أمراً مضموناً.

وطنية جديدة

ولا تصنع التجربة شعوراً وطنياً جديداً من العدم، لكنها تنقل الانتماء من العاطفة إلى الممارسة، فحب الوطن قبل الالتحاق شعور نشأ مع الإنسان، أما بعد التدريب فيصبح مرتبطاً بالاستعداد والالتزام وتحمل المشقة والقدرة على أداء الدور عند الحاجة.

ويبدأ المنتسب في رؤية الوطن من زاوية مختلفة، ليس بوصفه المكان الذي يوفر له الأمن والفرص فقط، وإنما مسؤولية يشترك في صونها، وهنا تصبح الوطنية فعلاً يومياً يظهر في احترام الوقت والعمل بإتقان والمحافظة على المكتسبات ووضع المصلحة العامة إلى جانب الرغبات الشخصية.

وهذا التحول هو أحد المعاني التي تجمع برنامج «بلادي» والخدمة الوطنية رغم اختلاف مساريهما، فوفقاً لما أعلنته هيئة الخدمة الوطنية والاحتياطية، يلتقي المساران في غاية وطنية واحدة تتمثل في الاستثمار في أبناء الإمارات وبناء أجيال مؤهلة وواعية وقادرة على تحمل المسؤولية والمحافظة على أمن الدولة واستقرارها ومكتسباتها.

تجربة «بلادي»

ويحمل النزول أهمية خاصة لمنتسبي برنامج «بلادي» باعتبارهم الدفعة الأولى التي تخوض هذه التجربة الجديدة التي أطلقتها وزارة الدفاع لتطوير الكفاءات الوطنية وبناء القدرات القيادية والتخصصية.

وقد مر المنتسبون قبل التحاقهم بمراحل متكاملة من الاختبارات والتقييمات والمقابلات الهادفة إلى اكتشاف القدرات الواعدة واختيار المشاركين وفق معايير تتوافق مع أهداف البرنامج ومساراته.

ومع نزولهم الأول، تنتقل صورة البرنامج من أهداف مكتوبة إلى آثار يمكن أن ترصدها الأسر في أبنائها، فالاستثمار المبكر في الشباب لا يُقاس بما يتلقونه من معارف فقط، وإنما بما يطرأ على طريقة تفكيرهم وقدرتهم على اتخاذ القرار والعمل مع الآخرين وتحمل نتائج اختياراتهم.

وإذا كانت الخدمة الوطنية قد صنعت خلال 12 عاماً جسراً بين أجيال من الشباب، فإن «بلادي» يضيف مساراً جديداً إلى هذا الاستثمار، يركز على اكتشاف القدرات وصقل المهارات المعرفية والعملية والقيادية منذ وقت مبكر.

الدفعة 26

أما مجندو الدفعة السادسة والعشرين، فيواصلون مسيرة أصبحت جزءاً من الذاكرة الوطنية للأسر الإماراتية، ومع كل دفعة جديدة، تتسع دائرة من عاشوا التجربة، ويتحول خريجو الأمس إلى آباء وإخوة يقدمون الدعم للملتحقين الجدد.

ولهذا لا تبدأ الخدمة الوطنية من مركز التدريب وحده، إنها تبدأ أيضاً داخل البيت الذي يهيئ ابنه للمغادرة، والأم التي تتعلم كيف توازن بين الاشتياق والفخر، والأب الذي يعرف صعوبة البدايات ويترك لابنه مساحة ليصنع تجربته الخاصة.

مغادرة ثانية

ينتهي النزول سريعاً، وتُجهز الحقائب من جديد، لكن المغادرة الثانية لا تشبه الأولى، في المرة الأولى كان الشاب يتجه إلى تجربة لا يعرفها، أما الآن فيعود إلى مكان اختبر صعوبته وفهم غايته وأصبح جزءاً من جماعته.

وتبقى الأسرة عند الباب مرة أخرى، لكنها تودع هذه المرة ابناً أكثر ثقة بما ينتظره، وأكثر وعياً بسبب عودته، وبين ذاكرة الآباء وخطوات الأبناء، تتجدد الحكاية الوطنية في كل بيت.