كشف تقرير ترسيخ الشهادات وتسريع المهارات الصادر عن القمة العالمية للحكومات 2026، بالتعاون مع PwC عن تحولات جذرية يشهدها سوق العمل العالمي، مؤكداً أن العالم يدخل مرحلة جديدة، تتغير فيها طبيعة الوظائف بوتيرة غير مسبوقة بفعل الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي والتغيرات الاقتصادية والديموغرافية المتسارعة.
وأشار التقرير إلى أنه بحلول عام 2030 سيجري توفير 170 مليون وظيفة جديدة نتيجة التحولات الهيكلية في الاقتصاد العالمي، في المقابل يتوقع أن تختفي أو يعاد تشكيل عدد كبير من الوظائف التقليدية، وأن تصبح 40 % من المهارات الحالية غير ملائمة لمتطلبات سوق العمل، كما تشير التوقعات أن يؤدي اعتماد نموذج «المهارات أولاً» إلى تمكين أكثر من 100 مليون شخص من دخول سوق العمل، كما بين التقرير أن 59 % من القوى العاملة العالمية ستحتاج إلى إعادة تأهيل أو تطوير مهاراتها، خلال السنوات القليلة المقبلة، لمواكبة هذا التحول.
وأوضح التقرير أن المهارات المطلوبة في الوظائف الأكثر تعرضاً للذكاء الاصطناعي تتغير بوتيرة أسرع بنسبة تصل إلى 66 % مقارنة بالوظائف الأقل تعرضاً، وهو ما يعكس التأثير المباشر للتقنيات الحديثة على طبيعة الأدوار المهنية.
وبين التقرير أن دورة حياة المهارة أصحبت أقصر من أي وقت مضى، إذ تتجدد متطلبات العديد من الوظائف كل 12 إلى 18 شهراً نتيجة الاعتماد المتزايد على التقنيات الرقمية، وتحليل البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي.
وأشار التقرير إلى أن الأنظمة التعليمية التقليدية التي تعتمد على دورات تطوير طويلة للمناهج قد لا تكون قادرة وحدها على مواكبة هذه السرعة.
وذكر التقرير أن 63 % من أصحاب العمل يعتبرون فجوات المهارات العائق الأكبر أمام التحول المؤسسي، خلال الفترة من 2025 إلى 2030، فيما يخطط أكثر من ثلاثة أرباعهم لإعطاء أولوية لإعادة تأهيل الموظفين، ويتوقع 70 % منهم توظيف أشخاص يمتلكون مهارات جديدة بدلاً من الاعتماد فقط على الشهادات الجامعية التقليدية.
وأكد التقرير أن المهارات الرقمية كالذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة والأمن السيبراني والتكنولوجيا المالية ستصبح مهارات أساسية في معظم القطاعات، إلى جانب مهارات التفكير التحليلي والابداعي والمرونة والتعلم المستمر والعمل الجماعي.
وركز التقرير على مفهوم الشهادات المصغرة باعتبارها حجر الأساس في اقتصاد المهارات الجديد، وهي شهادات قصيرة ومركزة، تمنح مقابل تحقيق مخرجات تعلم واضحة، وتكون قابلة للتحقق رقمياً، ويمكن تجميعها أو تكديسها لبناء مسارات تخصصية أعمق.
وأوضح أن هذه الشهادات يجب أن ترتبط بشكل مباشر باحتياجات سوق العمل، وأن تكون قابلة للنقل بين القطاعات وحتى عبر الحدود، مع وجود نظام تحقق رقمي، يضمن مصداقيتها.
واستعرض التقرير نماذج دولية في التحول نحو اقتصاد المهارات، من بينها نظام O*NET في الولايات المتحدة، وإطار ESCO في الاتحاد الأوروبي، وسنغافورة التي يخطط 97 % من أصحاب العمل فيها لإعطاء أولوية لإعادة تأهيل الموظفين.
وفي منطقة الشرق الأوسط أشار التقرير إلى وجود زخم متزايد في سياسات تطوير المهارات، مدفوعاً بتركيبة سكانية شابة وخطط تحول اقتصادي طموحة، وسلط الضوء على دولة الإمارات كونها نموذجاً متقدماً، من خلال مبادرات مثل مليون مبرمج عربي وجامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، كما أشار إلى توقع استثمارات خاصة في الذكاء الاصطناعي تصل إلى 335 مليار درهم بحلول عام 2031، ما يعكس توجه الدولة نحو اقتصاد قائم على المعرفة والابتكار.
ودعا التقرير إلى استجابة شاملة، تشارك فيها الحكومات وأصحاب العمل ومؤسسات التعليم والقطاع الثالث والأفراد، مؤكداً أن التحول إلى اقتصاد قائم على المهارات لا يمكن أن يتحقق عبر جهة واحدة.
وطالب الحكومات بإنشاء مراصد وطنية للمهارات، تعتمد على بيانات سوق العمل بشكل لحظي، وإصدار محافظ مهارات رقمية للمواطنين، وربط التمويل بنتائج فعلية مثل التوظيف ونمو الأجور، كما دعا أصحاب العمل إلى الانتقال من التوظيف القائم على الشهادات إلى التوظيف القائم على الكفاءة، والاعتراف بالشهادات المصغرة في الترقية والأجور، والاستثمار في التدريب المستمر داخل بيئات العمل.
وشدد التقرير على أن الحل لا يكمن في الاختيار بين الشهادة والمهارة، بل في بناء شهادات مدعومة بمهارات ضمن منظومة تعليمية مرنة، تستجيب بسرعة لتحولات الاقتصاد الرقمي، وتضمن للأفراد فرصاً حقيقية للحراك المهني في عالم يتغير بوتيرة غير مسبوقة.
