على امتداد أكثر من 10 أعوام، تحولت الجوائز التي أطلقتها القمة العالمية للحكومات منذ انطلاقها عام 2013 إلى واحدة من أهم مخرجاتها وأكثرها استدامة، فقد تجاوزت هذه الجوائز دورها التقليدي كأداة رمزية لتكريم الشخصيات البارزة، لتصبح أدوات عملية لتكريم النماذج الحكومية الرائدة، وتحفيز الابتكار، ونقل التجارب القابلة للتطبيق بين الدول.

ومع مرور السنوات، أصبح الإعلان عن الفائزين حدثاً قائماً بذاته على جدول أعمال القمة، يحظى بمتابعة واسعة من قِبل صناع القرار والمؤسسات الدولية، ويعكس الدور المتنامي للقمة في صياغة برامج الحوكمة والابتكار على مستوى العالم.

وتبرز في مقدمة هذه الجوائز «جائزة أفضل وزير في العالم»، التي أُطلقت خلال الدورة الرابعة للقمة عام 2016، لتكريم الوزراء الذين قادوا مبادرات ناجحة ومؤثرة، وأسهموا في مواجهة التحديات عبر حلول مبتكرة، وتبنّي التقنيات المتقدمة، وتطوير استراتيجيات وطنية تستبق تحديات المستقبل. وتولي الجائزة اهتماماً خاصاً بالمشاريع القابلة للتوسع، التي أثبتت أثراً إيجابياً ملموساً على المجتمعات، مع الالتزام بأعلى معايير الحوكمة الرشيدة، والشفافية، وبناء المرونة والاستعداد للمستقبل.

منهجية تقييم شاملة

تعتمد القمة في اختيار الفائزين على منهجية تقييم شاملة ومتعددة الأبعاد، لاختيار الوزراء الذين أحدثوا تأثيراً واضحاً خلال الثمانية عشر شهراً السابقة للترشيح. وتخضع الترشيحات لعمليات تدقيق دقيقة قبل تقييمها وفق معايير صارمة تشمل الكفاءة، والقدرة على الاستجابة للتحديات، والأثر الاجتماعي والاقتصادي القابل للقياس. وترتكز عملية التقييم على 4 محاور رئيسية: الأثر الاجتماعي والاقتصادي، أثر الابتكار، المرونة والجاهزية للمستقبل، والحكومة الرشيدة والنزاهة، لضمان تكريم القيادات التي أحدثت تغييراً نوعياً في بيئاتها الوطنية. وفي إطار تسليط الضوء على النماذج الحكومية الملهمة في استشراف المستقبل، احتفت القمة بمعالي عمر بن سلطان العلماء، وزير دولة للذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي وتطبيقات العمل عن بُعد في دولة الإمارات، تقديراً لدوره في قيادة ملف الذكاء الاصطناعي على المستوى الحكومي، وبناء نموذج مؤسسي متكامل لتوظيف التقنيات المتقدمة في السياسات العامة والتشريعات، بما يعزز جاهزية الحكومات لمتطلبات المستقبل والتحولات التكنولوجية المتسارعة.

تكريم 8 وزراء

وكرّمت الجائزة 8 وزراء في 8 نسخ متتالية، منهم غريغ هانت، وزير البيئة في أستراليا، عن جهوده في تطوير سياسات بيئية وحضرية مستدامة وتعزيز التكامل بين التخطيط العمراني وحماية البيئة، وأوا ماري كول سيك، وزيرة الصحة في السنغال، لقيادتها إصلاحات شاملة في القطاع الصحي وتحسين الوصول إلى الخدمات العلاجية ورفع كفاءة المنظومة الصحية. وشملت قائمة المكرّمين كذلك ديفيد موينينا سينغه، وزير التعليم الأساسي والثانوي في سيراليون، النسخة السادسة عن إصلاحاته التربوية التي وسّعت فرص الوصول إلى التعليم الأساسي ورفعت جودة مخرجاته. وفي النسخة السابعة، حصدت حنان محمد الكواري، وزيرة الصحة العامة في دولة قطر، الجائزة عن تطويرها منظومة صحية متقدمة وتعزيز جاهزية القطاع الصحي وقدرته على الاستجابة للتحديات، في حين ذهبت النسخة الثامنة إلى أنكسيوس ماسوكا، وزير الأراضي والزراعة والثروة السمكية والمياه والتنمية الريفية في زيمبابوي، تقديراً لقيادته برنامج إصلاح زراعي واسع النطاق، وسياسات دعمت تحقيق الاكتفاء الذاتي الغذائي، ومكّنت بلاده من تصدير الفائض إلى الخارج، ما جعله نموذجاً يُحتذى في تعزيز الأمن الغذائي.

«التميز الحكومي العالمي»

ولا تقتصر منظومة جوائز القمة العالمية للحكومات على تكريم الشخصيات، بل تشمل برامج واسعة تستهدف مختلف جوانب العمل الحكومي. وتأتي «جائزة التميز الحكومي العالمي» في طليعة هذه البرامج، باعتبارها أول جائزة من نوعها لتعزيز العمليات الحكومية المبتكرة، منذ إطلاقها عام 2023 لتسليط الضوء على المبادرات الاستثنائية والممارسات المتميزة والمسؤولين المبدعين من مختلف أنحاء العالم، وتهدف الجائزة إلى الارتقاء بمستوى الخدمات الحكومية، وتطوير مراكز الخدمة، وزيادة كفاءة الموظفين، بما ينعكس مباشرة على جودة حياة المجتمعات.

تغطية عالمية

وتغطي الجائزة جميع دول العالم وحكوماتها على اختلاف ثقافاتها وسياقاتها، مع تركيز خاص على الأصالة وتحقيق نتائج مؤثرة ومستدامة. وشهد عام 2023 تكريم 4 فائزين في فئات متعددة شملت: المبادرة المتميزة في مجال الابتكار الحكومي، المبادرة المتميزة في مجال الاستثمار في الموارد البشرية ورفع كفاءتها، أفضل مشروع تحولي حكومي، وأفضل خدمة حكومية على مستوى العالم. وفازت البرتغال في فئة الابتكار الحكومي عن «مختبر الابتكار في القطاع الحكومي»، فيما ذهبت جائزة الاستثمار في الموارد البشرية إلى مختبر ابتكار في البرازيل يعمل مع الجهات الحكومية على تحسين تجربة المتعامل من خلال تأهيل مقدمي الخدمات وتمكين الموظفين كشركاء رئيسيين في ابتكار الحلول.

أما فئة أفضل مشروع تحولي حكومي، فحصدها مشروع «العاصمة الإدارية الجديدة» في جمهورية مصر العربية، في حين نالت خدمة «آسان» من جمهورية أذربيجان جائزة أفضل خدمة حكومية عالمية، بعد نجاحها في تطوير مراكز الخدمة ورفع كفاءتها، واعتماد مبادئ الشفافية والسلوك الأخلاقي والمسؤولية في التعامل مع المتعاملين.

مبادرات نوعية

وتواصلت مسيرة الجائزة في دورة 2024 عبر تكريم مبادرات مبتكرة ركزت على التضامن الاجتماعي والاستدامة البيئية والمشاركة المجتمعية، من بينها برنامج التعليم الرقمي في تنزانيا «أوبونغو» عن فئة الابتكار التكنولوجي للتضامن الاجتماعي، ومشروع «آي ريك» لإعادة التدوير التابع لبلدية كاشكايش في البرتغال عن فئة الابتكار في استدامة البيئة والمشاركة المجتمعية، الذي اعتمد على أجهزة ذكية في المناطق التجارية لمكافأة المشاركين بنقاط تُستبدل بخدمات كالمواصلات والمتاحف، واستطاع جمع مليون عبوة (نحو 70 طناً) في عامه الأول، ما رسّخ نجاحه في تعزيز ثقافة الاستدامة.

وتعتمد عملية البحث والترشيح للجائزة على معايير عالمية دقيقة تركز على المبادرات الحكومية القادرة على تحسين جودة حياة الشعوب بطرق مبتكرة وفريدة، تُحقق نتائج ملموسة ومستدامة، وتُعد بمثابة قصص إلهام تُحتذى في بلدان أخرى.

تكنولوجيا وحلول مبتكرة

تمثل «جائزة تكنولوجيا الحكومات»، التي ينظمها برنامج الإمارات للخدمة الحكومية المتميزة ضمن فعاليات القمة، منصة لتكريم الحلول المبتكرة التي تستفيد من أحدث التقنيات لمواجهة التحديات المحلية والعالمية المتجددة، واستكشاف فرص جديدة لبناء مستقبل أفضل للبشرية.

وقد أطلقت الجائزة سلسلة من الفعاليات والمسابقات التكنولوجية (الهاكثونات) التي تسلط الضوء على جهود الحكومات والطلاب والباحثين والمؤسسات والشركات الخاصة والناشئة من مختلف أنحاء العالم، في توظيف التكنولوجيا لحل مشكلات تمس حياة الناس مباشرة.

تقييم الترشيحات

وتُقيّم الترشيحات بواسطة لجنة تحكيم مستقلة وفق معايير صارمة تشمل مستوى الابتكار من حيث تبنّي تقنيات جديدة لتحسين كفاءة الحلول، ومدى قدرتها على معالجة تحديات مجتمعية واسعة النطاق، إلى جانب جاهزية الحل وقابليته للتوسع والاستدامة، وتأثيره الاقتصادي والبيئي. وقد كرّمت الجائزة عدداً من الحلول النوعية، من بينها فريق تطبيق «إكسو هيل» من جامعة «كونستركتر» في ألمانيا، الفائز بالمركز الأول في الجائزة العالمية لأفضل التطبيقات الحكومية، الذي يقدم حلاً مبتكراً لإعادة تأهيل مرضى السكتة الدماغية والمصابين بالشلل عبر تطبيق ذكي وقفاز روبوتي يعملان بالذكاء الاصطناعي، يسرّعان عملية العلاج بنسبة تصل إلى 50%، اعتماداً على التعلم الآلي لتخصيص خطط علاجية لكل مريض، مع أنشطة تفاعلية تحفّز المرضى، وتمكين الأطباء من متابعة حالاتهم عن بُعد.

كما فاز مشروع «تيرا» الذي طوره فريق من معهد «بوليتكنيك ثايس» في السنغال، لمعالجة تحدي تلف المنتجات الزراعية بسبب ضعف التخزين وبطء التوزيع، عبر ربط المنتجين بالمستهلكين ومديري المخازن بحلول تقنية متقدمة. وتُكرّم الجائزة الهيئات الحكومية العالمية التي تقدم حلولاً مبتكرة لمعالجة التحديات الملحّة، وتخلق تجارب استثنائية في الخدمات الحكومية، وتبتكر أساليب فريدة لتطبيق التكنولوجيا على قضايا تمس شرائح واسعة من السكان. وتُمنح الجائزة في ثلاث فئات رئيسية: أفضل خدمة حكومية تركز على الإنسان، أفضل استخدام للذكاء الاصطناعي التوليدي في الخدمات الحكومية، وأفضل خدمة حكومية في العالم، بما يعكس قناعة راسخة بأهمية الإنسان في قلب العملية التنموية.

التزام إماراتي

وتعكس الجوائز، التي انطلقت قبل 13 عاماً، التزام دولة الإمارات وإمارة دبي بدعم الممارسات التي تحسن نوعية الحياة في المجتمعات والمستوطنات البشرية، وحماية البيئة على أساس التعاون الدولي بما يخدم أهداف التنمية المستدامة. وقد شهدت دورتها السابقة حتى عام 2024 مشاركة استثنائية مع تلقي أكثر من 2600 طلب من أكثر من 140 دولة، ما يعزز مكانتها كمنصة مرجعية عالمية في مجال أفضل الممارسات الحضرية، ويمتد أثرها إلى الأجيال المقبلة عبر دعم البرامج والسياسات الحضرية الأكثر استدامة. وفي انسجام مع توجهاتها لاستشراف حكومات المستقبل، كشفت القمة العالمية للحكومات في دورتها الحالية 2026 عن «الجائزة العالمية للحكومة الأكثر تطوراً»، بالشراكة مع «إرنست آند يونغ»، لتكريم الحكومات التي نجحت في تنفيذ إصلاحات جذرية وقابلة للقياس في هياكلها وعملياتها وسياساتها، وأثمرت تحقيق قيمة اقتصادية ملموسة، وترسخ مبادئ الشفافية، وبناء ثقة راسخة بين المؤسسات الحكومية وأفراد المجتمع.

التميز المؤسسي

وتسعى الجائزة إلى تعزيز التميز في الحوكمة والشفافية وجودة تقديم الخدمات، بما يرفع كفاءة الأداء المؤسسي ويعمّق ثقافة المساءلة، من خلال تكريم الابتكارات التحولية القائمة على الأدلة، والقابلة للتوسع، والمدفوعة بالبيانات، والتي تحقق قيمة عامة قابلة للقياس. كما تشجع الجائزة التحسين المستمر وتبادل المعرفة لضمان استدامة زخم الإصلاح عبر الجهات الحكومية، عبر تقييم الإصلاحات وفق معايير الكفاءة، والقدرة على الاستجابة للتحديات، والأثر الاجتماعي الملموس والقابل للقياس، في إطار شامل يجمع أبعاد الشفافية والمساءلة، والحوكمة، والتطوير الذاتي، والتحول الرقمي، والابتكار المرتكز على المواطن، والمساهمة في المنظومة المتكاملة، بما يضمن مواجهة التحديات الحالية واستباق التحديات المستقبلية بحلول قابلة للتطبيق على نطاق واسع، ودعم بناء مجتمعات مستقبلية ذكية قائمة على المعرفة.