قوة ناعمة في بناء الثقة وتسهيل الحوار الدولي

أكد محمد الشرهان مدير مؤسسة القمة العالمية للحكومات، أن القمة أصبحت منصة عملية لنقل المعرفة التطبيقية، وليس مجرد استعراض للتجارب، ما مكّن حكومات عديدة من الاستفادة منها، وتطبيق ما يناسب واقعها، لافتاً إلى أن القمة تُعد إحدى أبرز المنصات التي تعكس مكانة الدولة عاصمة عالمية للفكر الحكومي، وتقديم الإمارات وسيطاً معرفياً عالمياً في التحديات الحكومية والتنموية.

وقال في حوار مع «البيان»، إن القمة تحفّز الحكومات على تبنّي عقلية المبادرة وصناعة السياسات، بدلاً من الاكتفاء بإدارة الأزمات، مشيراً إلى أن القمة تعاملت مع ملف تمكين الشباب، باعتباره جزءاً من تطوير منظومة الحوكمة نفسها، وليس مجرد محور موازٍ أو رمزي.

وأتاحت للشباب مساحات عملية للتفاعل المباشر مع صناع القرار، والمشاركة في نقاشات تتعلق بتصميم السياسات الحكومية، والتحولات الاقتصادية، والتكنولوجيا، ورسخت صورة الإمارات «دولة مبادرة»، لا تنتظر الأزمات، بل تعمل على استباقها.

وتالياً نص الحوار:

كيف تقيمون الأثر المعرفي الذي تركته مخرجات الدورات السابقة للقمة على العمل الحكومي الدولي؟

منذ انطلاق القمة العالمية للحكومات، كان التركيز موجهاً نحو مساعدة الحكومات على تطوير طريقة تفكيرها في المستقبل، وليس الاكتفاء بإنتاج أفكار نظرية حوله.

ويتمثل الأثر المعرفي الأبرز للقمة، في انتقال عدد متزايد من الحكومات من التخطيط قصير المدى، إلى اعتماد أدوات استشرافية أكثر منهجية، شملت تطوير وحدات متخصصة بالمستقبل، واستخدام البيانات والسيناريوهات في دعم عملية صنع القرار.

كما أسهمت مخرجات القمة من تقارير وحوارات وشراكات، في ترسيخ مفاهيم عملية، مثل المرونة الحكومية، والحوكمة الاستباقية، وإدارة المخاطر المعقدة، ضمن السياق المؤسسي للحكومات.

وأصبحت هذه المخرجات مرجعاً معرفياً يُستفاد منه عبر أنظمة سياسية واقتصادية مختلفة، ما يعكس قدرة القمة على نقل المعرفة القابلة للتطبيق، وليس مجرد تبادل الأفكار على المستوى الدولي.

كيف تسهم التقارير الدولية التي تصدرها مؤسسة القمة، في رسم خارطة طريق للحكومات لمواجهة تحديات «العصر الرقمي» و«الفجوات التنموية»؟

إن تقارير القمة تُبنى على شراكات مع مؤسسات بحثية ومنظمات دولية، وتركّز على التحديات العملية التي تواجه الحكومات، مثل التحول الرقمي غير المتكافئ، فجوات المهارات، وتفاوت الوصول إلى التكنولوجيا. وهذه التقارير لا تقدم حلولاً جاهزة، بل نماذج سياسات وأطر عمل مرنة، يمكن للحكومات تكييفها وفق ظروفها الوطنية.

والأهم أن هذه الأبحاث تربط بين التكنولوجيا والتنمية، وتوضح أن التحول الرقمي لا يُقاس فقط بالتقنيات، بل بقدرته على تحسين الخدمات، وتعزيز الشمول الاجتماعي، وتقليص الفجوات الاقتصادية، ما يساعد الحكومات على بناء مسارات تنموية أكثر عدالة واستدامة.

القمة «هدية الإمارات للعالم»، كما وصفها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، كيف نجحتم في تحويل منصتها إلى «جسر معرفي» ينقل نموذج الإمارات لتمكين الحكومات؟

نجاح القمة في نقل تجربة الإمارات لا يقوم على مشاركة أو نقل نموذج واحد، بل على شرح «كيف تم التفكير» و«كيف اتُخذ القرار». والقمة تتيح للحكومات الاطلاع على تفاصيل عملية حول كيفية بناء أنظمة حكومية مرنة، وتسريع التحول الرقمي، وإدارة التغيير المؤسسي، من خلال الورش ، ودراسات الحالة، والحوارات بين المسؤولين.

وأصبحت القمة منصة عملية لنقل المعرفة التطبيقية، وليس مجرد استعراض التجارب، ما مكّن حكومات عديدة من الاستفادة منها، وتطبيقها بما يتناسب مع واقعها.

كيف ساهمت القمة في تعزيز القوة الناعمة لدولة الإمارات؟

تعد القمة العالمية للحكومات، إحدى أبرز المنصات التي تعكس مكانة دولة الإمارات عاصمة عالمية للفكر الحكومي، وجمع هذا العدد من قادة الدول، ورؤساء الحكومات، والوزراء، وصناع القرار سنوياً في دبي.

ويرسّخ صورة الإمارات «دولة مبادرة»، لا تنتظر الأزمات، بل تعمل على استباقها. والحقيقة أن القوة الناعمة هنا لا تقوم على الرسائل الإعلامية فقط، بل على بناء الثقة، وتسهيل الحوار الدولي، وتقديم الإمارات وسيطاً معرفياً عالمياً في التحديات الحكومية والتنموية.

يؤكد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم دائماً أن «المستقبل لا يُنتظر بل يُصنع»، كيف تترجم أجندة القمة هذه الفلسفة القيادية في اختيار المتحدثين والمواضيع؟

تنعكس هذه الفلسفة بوضوح في تصميم أجندة القمة، واختيار المتحدثين الذي لا يعتمد على مناصبهم فقط، بل على قدرتهم على إحداث تغيير فعلي في بلدانهم أو مؤسساتهم.

كما يتم التركيز على موضوعات تتعلق بالتحولات المقبلة، وليس فقط التحديات الحالية، مثل مستقبل العمل، والحوكمة في عصر الذكاء الاصطناعي، وإعادة تصميم الحكومة. القمة تحفّز الحكومات على تبنّي عقلية المبادرة وصناعة السياسات، بدلاً من الاكتفاء بإدارة الأزمات.

ماذا عن مساهمة القمة في صياغة دور جديد للشباب، يمتد لصناعة القرار الحكومي، وتمكينهم ليكونوا «مهندسي العبور» للمستقبل؟

القمة تعاملت مع ملف تمكين الشباب باعتباره جزءاً من تطوير منظومة الحوكمة نفسها، وليس مجرد محور موازٍ أو رمزي. ومن هذا المنطلق، أتاحت القمة للشباب مساحات عملية للتفاعل المباشر مع صناع القرار.

والمشاركة في نقاشات تتعلق بتصميم السياسات الحكومية، والتحولات الاقتصادية، والتكنولوجيا، بما يعكس توجهاً واضحاً نحو إشراكهم في التفكير الحكومي، وليس الاكتفاء بدور استشاري محدود.

ماذا عن دور القمة في إبراز التقدير العالمي للابتكار في العمل الحكومي؟

تسهم القمة في ترسيخ مفهوم الابتكار الحكومي، كأداة لتحسين الأداء، وتحقيق نتائج ملموسة للمجتمعات، من خلال تسليط الضوء على التجارب التي أحدثت تحولاً فعلياً في السياسات أو الخدمات أو آليات العمل الحكومي.

وهذا التقدير لا يركز على الأفكار النظرية، أو المبادرات قصيرة الأجل، بل على الحلول التي أثبتت قدرتها على التنفيذ والاستدامة، وإحداث أثر قابل للقياس داخل المؤسسات الحكومية.

ومن خلال هذا النهج، تخلق القمة بيئة تشجع الحكومات على تبنّي الابتكار، كجزء من ثقافة العمل المؤسسي، وتعزز التنافس الإيجابي القائم على تحسين النتائج، وليس مجرد عرض المبادرات.

كما تتيح القمة للحكومات الاطلاع على نماذج عملية قابلة للتكييف والتطبيق، ما يسرّع انتقال الحلول الناجحة بين الدول، ويسهم في رفع مستوى الكفاءة والفعالية في العمل الحكومي على المستوى العالمي.

كيف تعمل القمة على سد «فجوة المهارات» بين التعليم التقليدي ومتطلبات وظائف المستقبل، ونقل هذه التجربة للحكومات الأخرى؟

تتعامل القمة العالمية للحكومات مع فجوة المهارات، باعتبارها تحدياً سياسياً وهيكلياً، وليس مجرد قضية تعليمية، لذلك تجمع القمة صناع القرار في التعليم والعمل والاقتصاد، مع الجهات المعنية بتطوير رأس المال البشري، لمناقشة مواءمة أنظمة التعليم والتدريب مع التحولات المتسارعة في سوق العمل.

ويركّز هذا الحوار على إعادة تصميم السياسات التعليمية لتكون أكثر مرونة، وقابلة للتحديث المستمر، وقائمة على المهارات والكفاءات المطلوبة داخل الاقتصادات الحديثة.

كما تسهم القمة في نقل هذه التجارب بين الحكومات، عبر عرض نماذج عملية لإعادة تأهيل القوى العاملة، وتطوير أطر وطنية للمهارات، وتعزيز التعلم مدى الحياة.

وتتيح القمة للحكومات الاطلاع على آليات ناجحة لربط التعليم بالتوظيف، وتحديث برامج التدريب، وبناء شراكات مؤسسية، تسهم في تقليص الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل، بما يدعم التنافسية الاقتصادية والاستقرار الاجتماعي على المدى الطويل.

يواجه العالم تحديات أخلاقية وتنظيمية تتعلق بالذكاء الاصطناعي التوليدي، ماذا عن مساهمة القمة في وضع «ميثاق عالمي»، أو أطر عمل حكومية، تضمن تسخير التقنية لخدمة البشرية؟

الذكاء الاصطناعي التوليدي يطرح أسئلة جوهرية أمام الحكومات، تتجاوز الجانب التقني إلى قضايا الثقة والمسؤولية، ودور الإنسان في صنع القرار.

وتركز القمة العالمية للحكومات على تمكين صناع السياسات من فهم الأبعاد التنظيمية والمؤسسية لهذه التقنيات، ومناقشة كيفية إدماجها ضمن العمل الحكومي بطريقة تحافظ على القيم العامة، وتمنع الاستخدامات غير المنضبطة أو غير الشفافة.

وتوفر منصة عملية لتبادل الخبرات الحكومية حول تطوير أطر حوكمة وطنية للذكاء الاصطناعي، تقوم على مبادئ واضحة، مثل المساءلة، وحماية الحقوق، وضمان بقاء القرار النهائي بيد الإنسان.

وبدلاً من السعي إلى نماذج عالمية موحدة، تركز القمة على مساعدة الحكومات في بناء سياسات قابلة للتطبيق ضمن سياقاتها المختلفة، بما يضمن أن يكون الذكاء الاصطناعي أداة لتعزيز كفاءة الدولة وجودة خدماتها، لا بديلاً عن الدور البشري في القيادة وصنع القرار.

كيف تدعم القمة الحكومات في إعادة تصميم أنظمة الرعاية الصحية والتعليم لتكون أكثر مرونة؟

أصبحت إعادة تصميم أنظمة الصحة والتعليم ضرورة، بعد التجارب التي مرت بها الحكومات خلال الأزمات العالمية الأخيرة، والقمة العالمية للحكومات تتعامل مع هذا الملف من زاوية الدروس المستفادة لا التنظير.

وتوفّر القمة مساحة لصناع القرار، لمناقشة ما نجح وما لم ينجح في إدارة الأنظمة الحيوية تحت الضغط، وكيف يمكن ترجمة هذه التجارب إلى سياسات طويلة الأمد، تعزز الجاهزية والاستجابة السريعة، بدلاً من الاكتفاء بإجراءات مؤقتة مرتبطة بالأزمات.

ومن خلال هذا الحوار العملي، تساعد القمة الحكومات على تبادل نماذج لإعادة بناء الأنظمة الصحية والتعليمية بشكل أكثر مرونة، سواء من حيث الحوكمة، أو استخدام البيانات، أو استمرارية الخدمات في ظروف استثنائية.

ويتركز النقاش على التخطيط الاستباقي، وتعزيز القدرة المؤسسية، وربط الابتكار بالسياسات العامة، بما يمكّن الحكومات من تحسين جودة الخدمات وحمايتها من الانقطاع، وضمان قدرتها على التكيف مع أزمات عابرة للحدود، دون الإضرار باستقرار المجتمعات أو مسارات التنمية.

بماذا تتميز أجندة القمة العالمية للحكومات 2026 عن الدورات السابقة للقمة؟

تتميز أجندة القمة العالمية للحكومات 2026، بانتقال واضح من طرح الرؤى العامة، إلى التركيز على آليات التنفيذ وصناعة السياسات القابلة للتطبيق، وهو توجه انعكس في تصميم البرنامج نفسه.

وتتبنى دورة 2026 تحويل المعرفة إلى أدوات عمل حكومية، من خلال جلسات مغلقة، ومنتديات متخصصة، تجمع صناع القرار مع المؤسسات الدولية والقطاع الخاص، بهدف الخروج بمخرجات عملية، وشراكات واضحة، ومبادرات قابلة للمتابعة بعد انتهاء القمة.

هذا التوجه يعكس نضج القمة منصة لاستشراف المستقبل، والمساهمة في تشكيله بشكل عملي ومؤسسي. وتمتد محاور هذه الدورة عبر أكثر من 200 جلسة، و15 تقريراً استراتيجياً، ما يعكس توجهاً واضحاً نحو ربط السياسات بالتحولات العالمية المتسارعة، وتزويد الحكومات بأطر عملية للتعامل مع تحديات المرحلة.

ما دور القمة في تعزيز التعاون الدولي لاستشراف حلول مبتكرة للتحديات العالمية المشتركة؟

تعد القمة العالمية للحكومات منصة «تجميع قرار» لا منصة نقاش فقط، فهي تهيئ مساحة واحدة، يلتقي فيها قادة الحكومات والوزراء وصناع السياسات، مع المؤسسات الدولية والقطاع الخاص والخبراء، بهدف تحويل التحديات العابرة للحدود إلى أولويات قابلة للتنسيق المشترك.

وجوهر دور القمة هو تقريب وجهات النظر حول السياسات، وتبادل الخبرات التنفيذية، وبناء لغة مشتركة حول ما يمكن تطبيقه عملياً داخل الحكومات، بدلاً من الاكتفاء بتشخيص المشكلات، أو عرض رؤى عامة.

كما تسهم القمة في تحويل هذا التنسيق إلى شراكات مؤسسية، من خلال ربط الجهات المعنية بمسارات تعاون واضحة، وتسهيل بناء مبادرات مشتركة بين حكومات وشركائها الدوليين، وتكريس نهج قائم على «الحلول» عبر المعرفة والأدلة وأفضل الممارسات.

والنتيجة أن التعاون الذي يبدأ داخل القمة، لا ينتهي بانتهاء الحدث، بل يتحول إلى مسارات عمل تستهدف تحسين الأداء الحكومي وتعزيز الثقة، بما ينعكس على استدامة التنمية الاقتصادية، وتلبية تطلعات المجتمعات.

ما دور القمة في مناقشة تشكيل مستقبل الاقتصادات الناشئة، وتعزيز النمو المستدام، وصياغة السياسات الاقتصادية الفعّالة، وتسريع وتيرة الاستثمار في التكنولوجيا المتقدمة؟

تؤدي القمة العالمية للحكومات دوراً أساسياً في إعادة صياغة النقاش العالمي حول الاقتصادات الناشئة، من خلال التعامل معها كقوى مؤثرة في تشكيل النظام الاقتصادي الدولي، لا كاقتصادات تابعة لمسارات نمو تقليدية.

كما توفّر القمة منصة تجمع صناع السياسات الاقتصادية، والمؤسسات الدولية، وقادة القطاع الخاص، لمناقشة كيفية بناء نماذج نمو أكثر تنوعاً واستدامة، قادرة على التعامل مع التقلبات الجيوسياسية، وتغير تدفقات الاستثمار، وتسارع التحولات التكنولوجية. ويتركز الحوار على تصميم سياسات اقتصادية مرنة، تعزز الإنتاجية، وتدعم الاستقرار المالي، وتربط النمو الاقتصادي بالتنمية الشاملة.

وتسهم القمة في تسريع وتيرة الاستثمار في التكنولوجيا المتقدمة، عبر تسليط الضوء على الأطر التنظيمية والمالية التي تمكّن الحكومات من جذب رأس المال طويل الأجل إلى قطاعات ذات قيمة مضافة عالية، مثل الذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الرقمي، والطاقة النظيفة.

وتساعد القمة الحكومات على تبادل الخبرات حول تهيئة بيئات استثمارية تنافسية، وتعزيز الشراكات بين القطاعين الحكومي والخاص، وربط الاقتصادات الناشئة بالأسواق العالمية، بما يمكّنها من الانتقال من استهلاك التكنولوجيا إلى توطينها وتطويرها، وتعزيز دورها لاعباً رئيساً في الاقتصاد العالمي.

تحفيز الحكومات على تبنّي عقلية المبادرة وصناعة السياسات بدلاً من الاكتفاء بإدارة الأزمات

المساهمة بإعداد جيل عربي يقود التحول وصياغة مسارات المستقبل وفق رؤية محمد بن راشد

دورة 2026 تركز على إعادة تشكيل أنماط الحوكمة وصنع القرار في بيئة عالمية تتسم بعدم اليقين وتسارع التحولات

القمة العالمية للحكومات رسخت صورة الإمارات «دولة مبادرة» لا تنتظر الأزمات بل تعمل على استباقها

تمكين صناع السياسات من دمج التقنيات بضوابط تحمي القيم العامة وتمنع الاستخدام غير المنضبط

تعزيز الشراكات بين القطاعين الحكومي والخاص وربط الاقتصادات الناشئة بالأسواق العالمية