تحفل أجندة فعاليات «القمة العالمية للحكومات» لعام 2026 في دبي بالعديد من القضايا التي سوف توضع على طاولات المشاركين، لكن القضايا الأبرز التي ستتم مناقشتها هي تلك التي تتعلق بالتحديات الجوهرية التي تواجه الاقتصاد العالمي مع محاولة إعداد وصياغة حلول عملية وناجعة لها.

%96.8 نسبة الدين العالمي إلى الناتج المحلي الإجمالي في 2026

%60 من الاقتصاديين يرون أن كثيراً من الحكومات ستعتمد ضرائب أعلى لإدارة الديون

%60 من الوظائف بتقنيات الذكاء الاصطناعي على المدى المتوسط

%94 من الشركات تتأثر من التوترات الجيو-اقتصادية والتعريفات الجمركية

تعقد دورة عام 2026 من القمة تحت شعار «استشراف حكومات المستقبل»، وتضع القمة نفسها منصة محورية، تجمع كبار القادة وصُنّاع السياسات والخبراء من مختلف أنحاء العالم، وتعد هذه الدورة هي الأكبر في تاريخ القمة، من حيث نسبة المشاركة الدولية وعدد القادة المستضافين، ما يعكس أهمية هذا الحدث في النقاش العالمي حول الاقتصاد وأبرز تحدياته.

ويشكل عام 2026 حقبة جديدة من التحديات الاقتصادية العالمية، تجمع بين الضغوط الهيكلية، التي تراكمت عبر سنوات، والتحولات السريعة في التكنولوجيا و«البيئة الجيو - سياسية»، ومع أن استمرار النمو في بعض المناطق يشير إلى قدرة الاقتصاد العالمي على التعافي من الصدمات السابقة، إلا أن المخاطر الاقتصادية – من الديون إلى التضخم، ومن التغير المناخي إلى التوترات التجارية – قائمة وتحتاج إلى حلول سياسية وتعاون دولي قوي.

وسوف تحدد السياسات التي تتبناها الحكومات والبنوك المركزية، وإدماج التحول التكنولوجي بشكل عادل، والاستثمار في الاقتصاد الأخضر، والتنسيق التجاري الدولي، مدى قدرة العالم على تجاوز هذه المرحلة المعقدة، وتحقيق نمو مستدام وشامل في السنوات المقبلة،

ومن المقرر أن تتناول القمة هذه القضايا، حيث تعمل كل عام على ذلك منذ انطلاقها في عام 2013، أما في الدورة الحالية فإنها سوف تركز على خمسة محاور رئيسية، من بينها محور الازدهار الاقتصادي والفرص الناشئة، والذي يتضمن مناقشات حول التحديات الاقتصادية، التي تواجه الدول والحكومات.

ومن خلال تركيزها على محاور سياسية واقتصادية استراتيجية، وتقديم منصة للتعاون الدولي، وتبادل الرؤى حول التحديات الاقتصادية الملحة، تعكس القمة التطور في دورها من مجرد حدث سنوي إلى منصة فاعلة ومؤثرة في صياغة السياسات العالمية، التي تسعى إلى تحقيق استدامة النمو ورفاهية الشعوب في عالم متقلب.

وباجتماع قادة الفكر وصانعي السياسات من مختلف أنحاء العالم تسهم القمة في تحديد اتجاهات السياسات الاقتصادية المستقبلية، وتوفير بيئة مناسبة لتنسيق جهود الحكومات في مواجهة التحديات الاقتصادية الراهنة، ما يعزز من قدرة الدول على تكييف سياساتها، وتنفيذ حلول مبتكرة في عالم يواجه ضغطاً متزايداً من الأزمات الاقتصادية العالمية.

تقارير

ووفقاً لتقرير صندوق النقد الدولي من المتوقع أن ينمو الاقتصاد العالمي بنحو 3.3% خلال 2026، ما يشير إلى استمرار التعافي مع وجود تباينات بين المناطق.

ويتوقع الصندوق أن تنخفض معدلات التضخم الإجمالية من 4.1% في 2025 إلى 3.8% في 2026، في حين ستبقى بعض الاقتصادات مثل الولايات المتحدة تواجه معدلات تضخم مرتفعة نسبياً نتيجة ضغوط تكلفة المعيشة.

في المقابل رفع البنك الدولي تقديراته كذلك لنمو الاقتصاد العالمي إلى نحو 2.6% خلال 2026، لكنه حذر من أن النمو لا يزال ضعيفاً ومتركزاً في الاقتصادات المتقدمة مقارنة بالناشئة والنامية.

ورغم هذه التوقعات ثمة تقارير دولية تشير إلى احتمالات تباطؤ النمو أو دخول الاقتصاد العالمي في حالة ركود اقتصادي كبير إذا لم تعالج المخاطر البنيوية، مثل ضغوط الديون والتقلبات المالية، وتأثيرات الفقاعات في بعض الأصول (مثل الذكاء الاصطناعي والعملات الرقمية).

وبحسب تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي فإن أكثر من نصف الاقتصاديين الرئيسيين يتوقعون ضعفاً في الظروف الاقتصادية العالمية خلال العام الجاري، رغم انخفاض هذا الرقم مقارنة بالربع السابق، ما يعكس استمرار حالة عدم اليقين حول مسارات النمو.

التضخم العالمي وتفاوته

تظل قضية التضخم من أبرز التحديات، إذ تعد معدلات الأسعار المتصاعدة منذ سنوات بعد جائحة «كوفيد 19» أحد الأسباب الرئيسية للضغط على القوة الشرائية للمستهلكين في العديد من الدول، ورغم توقعات بانخفاض التضخم العالمي تدريجياً في عام 2026، إلا أن بعض الاقتصادات، مثل الولايات المتحدة، قد تستمر في مواجهة ضغوط تضخمية مرتفعة نسبياً.

السياسات النقدية المتباينة

تختلف السياسات النقدية بين الاقتصادات الكبرى لمواجهة التضخم، ويتفق كثير من الخبراء على أن تنسيق السياسات النقدية بين البنوك المركزية العالمية أصبح أكثر تعقيداً في ظل تباين المسارات التضخمية بين الدول، ما يخلق تحديات في ضبط الأسعار دون إبطاء النمو.

الدين العام والميزانيات

تظهر بيانات حديثة أن نسبة الدين العالمي إلى الناتج المحلي الإجمالي قد تصل إلى نحو 96.8 % في عام 2026، بعد أن كانت حوالي 94.7% في العام السابق، ما يعكس استمرار الضغط على معظم الدول لتمويل ميزانياتها ودعمها لقطاعات متعددة.

وتعد هذه الزيادة في الدين العام من أخطر التحديات، إذ إنها قد تقلص قدرة الحكومات على التحفيز المالي في حال حدوث صدمات اقتصادية أو مالية جديدة، كما أن ارتفاع تكلفة خدمة الدين يمكن أن يستهلك جزءاً كبيراً من الموارد المالية للدول، ما يقلل الإنفاق على التعليم والصحة والبنية التحتية.

وبحسب تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي يتوقع أكثر من 60% من الاقتصاديين أن تعتمد كثير من الحكومات على التضخم وضرائب أعلى لإدارة الديون المرتفعة، ما قد يؤدي إلى زيادة الضغط على الأسر ومنشآت الأعمال الصغيرة.

التقنية والذكاء الاصطناعي

في منتدى دافوس 2026 تأكد أن أنماط العمل ستتغير جذرياً مع زيادة الاعتماد على الذكاء الاصطناعي، إذ من المتوقع أن يتأثر ما يصل إلى 60% من الوظائف بتقنيات الذكاء الاصطناعي على المدى المتوسط، ويرى خبراء اقتصاديون أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يسهم بنحو 0.3 نقطة مئوية في نمو الناتج العالمي خلال عام 2026، ولكنه في الوقت نفسه يخلق فجوة في سوق العمل بين الوظائف التي يمكن أتمتتها وتلك التي تتطلب مهارات بشرية متقدمة.

إن التسارع في اعتماد التكنولوجيا الحديثة يضع ضغوطاً على أنظمة التعليم والتدريب المهني لتحديث مهارات القوى العاملة، كما يثير مخاوف من زيادة البطالة الهيكلية في بعض القطاعات، ويتفق كثير من الخبراء على أن عدم الاستجابة السريعة لهذه التحولات يمكن أن يؤدي إلى تفاقم الفجوة بين العرض والطلب على المهارات، وبالتالي تأجيج عدم المساواة.

التوترات الجيو-اقتصادية وسلاسل التوريد

تشير تقارير المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن المواجهة «الجيو-اقتصادية» بين القوى الاقتصادية الكبرى، خصوصاً الولايات المتحدة والصين، باتت تمثل تهديداً رئيسياً للنمو العالمي، مع زيادة استخدام الرسوم الجمركية والقيود التنظيمية وسلاسل الإمداد كونها أدوات ضغط، ومن شأن هذه التوترات أن تبطئ التجارة الدولية، وتعزز الميل نحو أطر تجارية إقليمية على حساب الشراكات متعددة الأطراف، ما يؤدي إلى تفكك في سلاسل الإمداد العالمية وتقليل الفعالية الاقتصادية.

ولا تزال أصداء الصراعات الجيو- سياسية مثل الحرب في أوكرانيا والتوترات في منطقة الشرق الأوسط وآسيا تؤثر على أسعار الطاقة والموارد، وتزيد من عدم الاستقرار في أسواق السلع، ما ينعكس سلباً على توقعات الاستثمار والنمو، وأسواق الطاقة، خصوصاً النفط والغاز، لا تزال حساسة تجاه هذه التوترات، ما يزيد من تقلب الأسعار، ويؤثر على ميزانيات الدول المستهلكة والمصدرة، ومن المتوقع أن تشهد سلاسل التوريد في 2026 استمراراً للتعقيدات والمخاطر الجيو-سياسية، ما يكبد الشركات الكبرى خسائر بمتوسط 184 مليون دولار سنوياً، وتؤثر هذه الاضطرابات على 94% من الشركات، مع تركز المخاطر في التوترات الجيو- اقتصادية، النزاعات، التضخم، والتعريفات الجمركية.

تكاليف التغير المناخي

أكدت تحليلات اقتصادية حديثة أن التغير المناخي يعد أحد أهم التحديات البنيوية للاقتصاد العالمي خلال العقد المقبل، وأن التأثيرات المناخية (كالجفاف، فيضانات، ارتفاع درجات الحرارة) يمكن أن تقلص الناتج المحلي الإجمالي في العديد من الدول، خصوصاً الناشئة، بسبب تكاليف التكيف مع التغيرات البيئية، والتعويض عن الخسائر.

وفي مناطق مثل الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يتجه التركيز الاقتصادي نحو إدارة الموارد المائية والغذاء والتكيف مع الظروف المناخية المتغيرة، بهدف ضمان الأمن الغذائي والاقتصادي.

تباطؤ أسواق الأسهمتشير مسوحات لخبراء اقتصاديين إلى توقع تراجع محتمل في الأسهم التكنولوجية المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، ما يعكس بعض عدم اليقين في تقييمات الأصول وسرعة التغيير التكنولوجي، ومن جهة أخرى يرى بعض المحللين أن الأصول مثل الذهب ستظل تستخدم ملاذاً آمناً في ظل الضبابية الاقتصادية والجيو- سياسية، مع توقعات برفع الطلب عليها من قبل البنوك المركزية والمستثمرين.

ولا تزال هناك مخاوف كبيرة من فقاعات في بعض فئات الأصول (مثل العملات الرقمية وتقنيات التمويل الحديث)، وقد يؤدي ذلك إلى مخاطر مالية إذا انكسر الطلب بشكل مفاجئ، كما قد تؤدي السياسات النقدية غير المتناسقة إلى تقلبات حادة في أسواق السندات والأسهم.

2026 محطة مفصلية

ويشكل عام 2026 محطة مفصلية في مسار الاقتصاد العالمي، ليس لأنه عام أزمة واحدة واضحة، بل لأنه عام تراكم أزمات: نمو ضعيف، ديون مرتفعة، نظام تجاري متصدع، ثورة تكنولوجية غير متوازنة، ومخاطر جيو- اقتصادية متصاعدة، وقد عكست تصريحات كبار المسؤولين والخبراء الاقتصاديين، خصوصاً في منتدى دافوس 2026 واجتماعات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، حالة إجماع نادرة على أن الاقتصاد العالمي دخل لمرحلة أكثر هشاشة،وأقل قابلية للتنبؤ،

فقد أكدت كريستالينا جورجيفا، المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، أن الاقتصاد العالمي لم يدخل ركوداً تقنياً شاملاً، لكنه يعاني من «إرهاق هيكلي واضح».

وأضافت أن النمو العالمي لا ينهار، لكنه يفقد الزخم عاماً بعد عام، وهذا بحد ذاته خطر حقيقي، وأوضحت أن المشكلة الأساسية ليست في صدمة واحدة، بل في تراكم القيود:

ارتفاع أسعار الفائدة لفترة أطول من المتوقع، وضعف الاستثمار، وتباطؤ الإنتاجية، وتراجع الثقة يالنظام التجاري العالمي.

وكان ملف الذكاء الاصطناعي حاضراً بقوة في تصريحات جورجييفا، حيث قالت، إن نحو 60% من الوظائف في الاقتصادات المتقدمة سوف تتأثر بالذكاء الاصطناعي، وأوضحت أن الخطر لا يكمن في التكنولوجيا نفسها، بل في غياب سياسات التكيف وإعادة التدريب، وحماية الفئات الهشة، وتحديث أنظمة التعليم.

وفي استطلاع المنتدى الاقتصادي العالمي لعام 2026 أشار 53% من كبار الاقتصاديين إلى أن الظروف الاقتصادية العالمية ستضعف خلال العام، بينما رأى أقل من 20% أن النمو سيكون قوياً.

من جهته حذر أجاي بانغا، رئيس البنك الدولي، من أن مستويات الدين الحالية غير قابلة للاستدامة، خصوصاً في الدول النامية، وقال: «الدين لم يعد أداة للنمو، بل أصبح في كثير من الدول قيداً يمنعها من الاستثمار في المستقبل».

وأشار إلى أن أكثر من 60 دولة نامية تواجه ضغوط ديون حادة، مؤكداً أن خدمة الدين تلتهم الإنفاق الاجتماعي، وأن أي صدمة مالية جديدة قد تدفع هذه الدول إلى أزمات سيولة حادة، كذلك وصف لورنس سامرز، وزير الخزانة الأمريكي الأسبق، الوضع المالي العالمي بأنه «غير مريح على الإطلاق»، وقال: «نحن في عالم اعتاد على الديون الرخيصة، لكنه لم يتعلم بعد كيف يعيش بدونها».

بدورها أكدت قالت نغوزي أوكونجو-إيويالا، المديرة العامة لمنظمة التجارة العالمية، أن التجارة العالمية لم تعد محرك النمو الذي كانت عليه، وقالت: «العالم لن يعود إلى نموذج التجارة الحرة المفتوحة كما عرفناه في العقود الماضية» وأضافت أن تصاعد الرسوم الجمركية والإجراءات الحمائية يهدد بخفض النمو العالمي على المدى المتوسط.

وحذر محمد العريان، كبير المستشارين الاقتصاديين في «أليانز»، من حالة «الإنكار الجماعي» في الأسواق، وقال في هذا الصدد: «الأسواق تسعّر مستقبلاً مثالياً في عالم غير مثالي إطلاقاً».

وأشار إلى مخاطر فقاعات في أسهم التكنولوجيا، وتقلبات حادة في السندات، وسوء تقدير المخاطر الجيو- سياسية.

ومن خلال تصريحات المسؤولين والخبراء، تتبلور صورة واضحة، مفادها أن التحدي الحقيقي ليس أزمة واحدة، بل نظام عالمي أقل استقراراً وأكثر انقساماً، ويتفق معظمهم على أن النمو سيكون أضعف، وأن الديون ستكون أعلى، وأن التكنولوجيا ستكون أسرع من السياسات، وأن التعاون الدولي يجب أن يكون أقوى مما هو مطلوب.