في الذكرى الخمسين، تقف الكلمات على عتبة المعنى، مترددةً أمام عظمة ما تريد أن تعبّر عنه، فتعجز عن الإحاطة، لكنها رغم عجزها، تمضي حاملةً شيئاً من الامتنان الذي يسكن القلوب.

خمسون عاماً ليست رقماً يُحصى، بل تاريخٌ يُروى، ومسيرةٌ تُختصر فيها حكاية وطنٍ آمن، وشعبٍ مطمئن، ورجالٍ جعلوا من الصمت عملاً، ومن التضحية طريقاً، ومن الإخلاص لغةً لا تحتاج إلى ترجمة.

خمسون عاماً كانت فيها القوات المسلحة عنوان الثبات حين يتغير كل شيء، وركيزة القوة حين تتبدل الموازين.

نحن، أبناء هذا الجيل، لم نشهد البدايات الأولى، ولم نرَ كيف شُيّد هذا الصرح لبنةً لبنة، لكننا نعيش أثره في كل تفاصيل يومنا، نرى الأمان في طرقاتنا، ونشعر بالطمأنينة في بيوتنا، ونمضي نحو مستقبلنا بثقةٍ لا تزعزعها الشكوك، لأننا نعلم أن خلف هذا كله رجالاً سهروا حين نام الآخرون، وثبتوا حين تراجع غيرهم.

لقد تعلمنا منكم أن الوطن ليس كلمة تُقال، بل مسؤولية تُحمل، وأن القوة ليست صخباً يُسمع، بل حضورٌ يُحس، وأن أعظم البطولات هي تلك التي تُصنع في الخفاء، بعيداً عن الأضواء، قريبةً من ضمير الوطن.

كنتم، ولا تزالون، الجدار الذي لا يُرى، لكنه يحمي، واليد التي لا تُذكر، لكنها تبني، والعين التي لا تغفو، لكنها تسهر لأجل أن ننام مطمئنين.

وفي عالمٍ تتسارع فيه الأحداث، وتضطرب فيه الثوابت، بقيتم أنتم الثابت الذي لا يتغير، واليقين الذي لا يتبدد.

ولأننا جيلٌ وُلد في ظل هذا الأمان، فقد كبرنا على معنى لم نحتج أن نتعلمه، بل عشناه: أن هناك من يقدّم دون أن ينتظر، ويضحي دون أن يُطلب منه، ويحرس دون أن يُرى. وهذه، لعمري، أعظم صور الوفاء.

إننا حين نشكركم، لا نظن أن الشكر يكفي، ولا نزعم أن الكلمات توفي، ولكننا نقولها إقراراً بالفضل، واعترافاً بما في الأعناق من دينٍ لا يُقضى، إلا بأن نحفظ ما حفظتم، ونبني على ما بنيتم، ونصون ما صُنتم.

فشكراً لكم، يا من جعلتم من الخمسين عاماً سيرةً يُقتدى بها، ومن القوة قيمةً تُحترم، ومن الوطن معنىً يُعاش.

وكل عام وأنتم للوطن حصنه المنيع… ونحن بكم، ومعكم، وإليكم، آمنون.