في عالم تتسارع فيه الأزمات، يصبح وجود احتياط مدرَّب وواعٍ، يتحلى بمجموعة من قيم الولاء والانتماء للوطن، أحد أهم عناصر وركائز الأمن الوطني، وهي عناصر عززتها الخدمة الوطنية، عبر توليها دوراً مزدوجاً، تمثّل في إعداد عسكريين ساهموا في رفع الجاهزية، وإعداد شباب وطني أكثر انضباطاً ومسؤولية وقدرة على العمل الجماعي.

التجربة الإماراتية، لا تنظر إلى منتسبي الخدمة الوطنية والاحتياطية بوصفهم مجرد عناصر في منظومة الدفاع الوطني، بل بوصفهم امتداداً للمجتمع، حاملين لقيم الدولة، وركيزة من ركائز الأمن الشامل، ومن هنا، تبرز أهمية إدخال البعد المجتمعي في التفكير العسكري، لا كإضافة رمزية، بل كعنصر بنيوي في بناء القوة.

والخدمة الوطنية، في هذا السياق، لا تنتج فقط مجندين مؤقتين، بل تنشئ قاعدة بشرية يمكن استدعاؤها عند الحاجة، مع إمكانية دمجها في منظومات الدعم والطوارئ، بجانب الاستفادة منها في مهام غير قتالية عند الأزمات.

الجاهزية المجتمعية

ومنذ عام 2014، أصبحت الخدمة الوطنية إلزامية لجميع الذكور في دولة الإمارات، وشكّل هذا القرار وما رافقه من سياسات لبناء الجاهزية المجتمعية، محطة تاريخية فارقة، وتحولاً في فهم الأمن والدفاع، نقلت القوات المسلحة إلى نموذج المؤسسة المتكاملة مع المجتمع.

لم تُطرح الخدمة الوطنية في الإمارات بوصفها إجراءً لزيادة عدد المنتسبين فحسب، بل كجزء من رؤية أوسع لبناء مناعة وطنية في مواجهة التهديدات المعاصرة، التي لم تعد عسكرية صرفة، بل نفسية وإعلامية ومجتمعية أيضاً.

وبمجرد الإعلان عن التسجيل للدفعة الأولى بادر شباب الإمارات إلى تلبية نداء الوطن، وتأدية واجب الخدمة الوطنية، حيث شهدت مراكز التسجيل إقبالاً كبيراً، يترجم الشعور بالفخر والاعتزاز.

وتحمّل المسؤولية من أجل رفعة وعزة دولة الإمارات، باعتبار أن الخدمة الوطنية مسؤولية وطنية، تشكل مكوناً أساسياً من مكونات المواطنة.

ويعد 30 أغسطس 2014 يوماً تاريخياً في الإمارات، حيث التحقت أول دفعة بالخدمة الوطنية والاحتياطية لأداء الواجب المقدس، وضرب أبناء الوطن، من الذكور والإناث، أروع الأمثال في حب الوطن والاستعداد لتلبية ندائه.

أثر إيجابي

ومن أبرز التحولات التي رافقت إدخال الخدمة الوطنية، هو الانتقال من مفهوم «الجيش يحمي المجتمع»، إلى مفهوم «المجتمع يشارك في حماية نفسه»، هذا التحول لا يعني عسكرة المجتمع، بل رفع وعيه بطبيعة المخاطر، وتمكينه من فهم التهديدات غير التقليدية، ومقاومة الشائعات والحرب النفسية، فضلاً عن إدراك أهمية الانضباط في الأزمات.

تعزيز الهوية

أحد الآثار العميقة للخدمة الوطنية، هو دورها في تعزيز الهوية الوطنية الجامعة، فالالتقاء بين شباب من خلفيات اجتماعية ومناطق مختلفة ضمن إطار واحد، يعزز الشعور بالمصير المشترك، ويكرّس فكرة الدولة فوق الانتماءات الجزئية، بالإضافة إلى كونه يبني ذاكرة جماعية مرتبطة بقيم الانضباط والمسؤولية.

وفي التجربة الإماراتية، يُنظر إلى الجندي بوصفه ممثلاً لقيم الدولة، داخل الوطن وخارجه، فالسلوك الفردي للجندي في الميدان، أو في المهام غير القتالية، أو في التفاعل مع المجتمعات المحلية، ينعكس مباشرة على صورة الدولة ومصداقيتها.

تمكين المرأة

وتشهد المؤسسات التعليمية العسكرية التابعة لوزارة الدفاع إقبالاً متزايداً من العنصر النسائي، حيث يتم استقطاب الفتيات للتأهيل في مختلف التخصصات والرتب، بما في ذلك المجالات الطبية، التقنية، الهندسية، والبحثية.

ويعد هذا التوجه ترجمة عملية لسياسة تمكين المرأة، وإشراكها الفاعل في مسيرة الدفاع الوطني، ومن أبرز النماذج الرائدة في هذا السياق، مدرسة خولة بنت الأزور، التي تعد أول مدرسة نسائية عسكرية في المنطقة، وتضطلع بدور محوري في تأهيل الكوادر النسائية في مختلف المجالات.

وقد أوكل إليها منذ عام 2014 أيضاً استقبال الراغبات في أداء الخدمة الوطنية غير الإلزامية، حيث انضمت المجندات طوعاً في تجربة رائدة على مستوى المنطقة.

وقد تجاوزت نسبة مشاركة الإناث في بعض الدفعات 11 %، موزعة على تخصصات تشمل الطب العسكري، الدفاع السيبراني، التمريض الميداني، الهندسة، والعمليات الفنية واللوجستية.

واليوم، تشارك المرأة الإماراتية في مهام حفظ السلام الدولية، وتتبوأ مناصب متقدمة داخل القوات المسلحة، وتسهم في صنع القرار العسكري.

كما ساهمت المرأة في إعادة رسم صورة المرأة العربية في أذهان العالم، بإسهاماتها البارزة في مسيرة الإنجازات والتحديث والجاهزية والكفاءة والاقتدار للقوات المسلحة للدولة، حيث انخرطت في مختلف أنواع العمل العسكري، إضافة لمهام القوات المسلحة التي تستهدف الحفاظ على السلم العالمي في بقاع مختلفة من العالم، ومدت أيادي العون والمساعدة للشعوب المنكوبة.

محطات رئيسة

وشهدت الخدمة الوطنية منذ إطلاقها حتى اليوم محطات رئيسة عدة، ففي عام 2014، تم إصدار قانون الخدمة الوطنية والاحتياطية، وإنشاء هيئة الخدمة الوطنية والاحتياطية، كما شهد هذا العام انطلاق برنامج الخدمة الوطنية، والتحاق الدفعة الأولى «9 أشهر».

وفي عام 2015، تم تفعيل مواقع التواصل الاجتماعي للهيئة، وتفعيل التواصل من خلال مركز اتصال حكومة أبوظبي، وإطلاق الموقع الإلكتروني للهيئة، والإصدار الأول لاستراتيجية الخدمة الوطنية والاحتياطية، كما تم تفعيل برنامج الخدمة الوطنية والتحاق الدفعة الأولى.

وخلال عام 2016، عقد الملتقى الأول للخدمة البديلة، وأطلق المعرض الأول لتوظيف مجندي الخدمة الوطنية والاحتياطية، كذلك تم تنفيذ برنامج تدريب القادة «الوظائف القيادية» من مجندي الخدمة الوطنية، وتعديل مدة الخدمة الوطنية لمدة «12 شهراً».

في حين شهد عام 2017 إطلاق برنامج المهارات الإلكترونية، والتسجيل الإلكتروني لمجندي الخدمة الوطنية، وتشكيل قيادة قوة الاحتياط، وفي عام 2018، تم تعديل الخدمة الوطنية لتصبح 16 شهراً، وتنظيم الملتقى الثاني للخدمة الوطنية، وبناء قاعدة البيانات الموحدة للخدمة الوطنية، إلى جانب تنظيم بطولة شويمان، بالتعاون مع مجلس أبوظبي الرياضي.

وشهد عام 2019 إطلاق برنامج الموظفات التطوعي الأول، المخصص للمعلمات، وتم استحداث شعبة التقييم في هيئة الخدمة الوطنية والاحتياطية، وشاركت الهيئة في قمة أقدر العالمية في العاصمة الروسية موسكو.

كما تم عقد ملتقى فخر بالتنسيق مع المؤسسة الاتحادية للشباب، والمؤتمر الدولي الأول للجاهزية العسكرية البدنية، كما تم السماح لطلبة الثانوية الحاصلين على 90 % فأعلى، بإكمال دراستهم بعد التدريب الأساسي.

وخلال عام 2020، تم افتتاح مبنى هيئة الخدمة الوطنية والاحتياطية الجديد، وتفعيل الاحتياط التخصصي في القوات المسلحة، وتخصيص وتدريب مجندي الدفعة 15 للمشاركة في إكسبو دبي 2020، والتحاق الدفعة الأولى لبرنامج دبلوم المنشآت الحيوية.

وفي عام 2021، تم إطلاق مبادرة الدراسة الجامعية عن بعد أثناء تأدية الخدمة الوطنية لطلاب الثانوية العامة، وتطوير منظومة الاحتياط، كذلك مشاركة المجندين في إكسبو دبي 2020.

وخلال عام 2022، تم تعديل مدة الخدمة الوطنية لفئة الطلاب لتصبح 12 شهراً، إضافة إلى تطوير مسار التدريب في الخدمة الوطنية لفئة الطلاب، بينما شهد عام 2023 توفير الجهاز اللوحي لجميع مجندي الخدمة الوطنية، لاستخدامه خلال الدورات.

والتحول الرقمي في مواد التدريب، وتنفيذ الاختبارات للمجندين، وتطوير بنك أسئلة وفق معايير مستويات التحدي في المعرفة والمهارة، إلى جانب وصول عدد الجهات التي تم تفعيل الخدمة البديلة لديها إلى 22 جهة مدنية.

وكانت محطة 2024 زاخرة بالأحداث، حيث صدر مرسوم بقانون بشأن انتهاء الخدمة الاحتياطية لمجندي الخدمة الوطنية عند بلوغ سن 45 عاماً، ووصول عدد الجهات التي تم تفعيل الخدمة البديلة لديها إلى 39 جهة مدنية.

كما تم اعتماد مركز تدريب سيح اللحمة وسويحان لأداء اختبارات الإمارات القياسية (إمسات) للمجندين، إضافة إلى اعتماد 6 ساعات أكاديمية للمجندين في مؤسسات التعليم العالي في الدولة، والمدرجة في نظام القبول «NAPO».

المنتسبون امتداد للمجتمع وركيزة من ركائز الأمن الشامل بما يحملونه من قيم الدولة

قاعدة بشرية يمكن استدعاؤها عند الحاجة مع إمكانية دمجها في منظومات الطوارئ

رفع وعي المجتمع بطبيعة المخاطر وتمكينه من فهم التهديدات ومقاومة الشائعات