أكد مسؤولون وموظفون من أصحاب الهمم أن توظيفهم يجب أن يقوم على الكفاءة والمؤهلات والقدرة على الإنجاز، بعيداً عن الشفقة أو استكمال الأعداد الوظيفية، مشيرين إلى أن دولة الإمارات حققت تقدّماً ملموساً في توفير فرص العمل وتهيئة بيئات مهنية دامجة، بفضل التشريعات والسياسات والمبادرات الحكومية الداعمة لحقوقهم ومشاركتهم في سوق العمل.
وأوضحوا أن نجاح الدمج الوظيفي لا يُقاس بمجرد تعيين أصحاب الهمم، وإنما بمدى إسناد مهام ومسؤوليات فعلية إليهم، وتوفير الأدوات والتجهيزات التي تمكنهم من أداء أعمالهم بكفاءة واستقلالية، إلى جانب إتاحة فرص التدريب والتطور الوظيفي.
وشددوا على أهمية توسيع فرص التوظيف المستدام، خصوصاً في القطاع الخاص، ومعالجة التحديات المرتبطة بالتأهيل المهني والوعي المجتمعي وتهيئة بعض بيئات العمل.
وتشمل جهود تمكين أصحاب الهمم مسارين رئيسين، هما التوظيف الدامج، الذي يتيح لهم الالتحاق بالوظائف وفق مؤهلاتهم وقدراتهم، والتوظيف المحمي، الذي يوفر فرصاً مهنية وتأهيلية للفئات التي يصعب استيعابها في الوظائف التقليدية، بما يعزز مشاركتهم الاقتصادية والمجتمعية.
الكفاءة أساس التوظيف
وأكدت الدكتورة شيخة المنصوري، مدير إدارة أصحاب الهمم بالإنابة في هيئة تنمية المجتمع بدبي، أن الجهات الحكومية قطعت شوطاً كبيراً في توظيف أصحاب الهمم وتهيئة بيئات العمل المناسبة لهم.
مشيرة إلى أن الاهتمام لم يعد يقتصر على توفير الوظائف، بل يمتد إلى تأمين التجهيزات والتقنيات المساندة، وتدريب فرق العمل والمسؤولين المباشرين على التعامل مع مختلف الإعاقات.
وأوضحت أن الهيئة تعمل بالتعاون مع دائرة الموارد البشرية لحكومة دبي على إعداد دليل لمعايير توظيف أصحاب الهمم، يشمل متطلبات تهيئة بيئة العمل منذ الإعلان عن الوظائف، مروراً بتوفير وسائل المساعدة والتقنيات المناسبة، مثل البرامج الناطقة لأصحاب الإعاقات البصرية، وصولاً إلى تدريب الموظفين والمسؤولين المباشرين على أساليب التعامل الداعمة للدمج الفعلي.
وقالت، إن التعامل مع الموظف من أصحاب الهمم يجب أن يقوم على المساواة والكفاءة، مع إسناد المهام والمسؤوليات إليه شأنه شأن بقية الموظفين، ومراعاة احتياجاته الخاصة بما يمكنه من أداء عمله بفاعلية والشعور بأنه عضو أساسي في المؤسسة.
وأضافت أن فرص التوظيف الدامج تشمل أصحاب الإعاقات الجسدية والبصرية والسمعية، إلى جانب فئات أخرى، من بينها أصحاب التوحد، لافتة إلى وجود موظفين من أصحاب الهمم في مواقع قيادية، وإجراء مقابلات وظيفية مباشرة لهم خلال الفترة الماضية.
وبيّنت أن التعاون بين الهيئة ودائرة الموارد البشرية لحكومة دبي، ضمن مشاريع لجنة حماية حقوق أصحاب الهمم، يشمل مسارين متكاملين؛ تتولى الدائرة العمل على التوظيف الدامج.
فيما تعمل الهيئة على التوظيف المحمي، الذي يستهدف أصحاب الإعاقات الذين يصعب استيعابهم في الوظائف التقليدية، من خلال تأهيلهم في مراكز متخصصة لممارسة مهن تتناسب مع قدراتهم، مثل النجارة والزراعة.
وكشفت عن توظيف شخصين خلال العام الجاري ضمن برنامج التوظيف المحمي في أحد المراكز المتخصصة، بدعم من مجموعة الفطيم التي تسهم في توفير رواتبهما، مؤكدة أهمية توسيع هذه الفرص بما يعزز مشاركة أصحاب الهمم في سوق العمل.
«نطلب فرصة لا شفقة»
ومن واقع تجربة مهنية تمتد لنحو ثلاثة عقود، أكد نصيب عبيد سبيت، أخصائي تصاريح في إدارة الآثار بقطاع المتاحف في هيئة الثقافة والفنون في دبي، وأحد أصحاب الهمم، أن بيئات العمل في الإمارة شهدت تحولات كبيرة منذ التحاقه بالعمل الحكومي عام 1998، لا سيما في تهيئة المرافق وتوفير سهولة الوصول، مدعومة بالتشريعات والمبادرات الحكومية، ومنها «مجتمعي.. مكان للجميع» و«كود دبي للتصميم».
وقال إن التحديات المتبقية تتطلب جهوداً مشتركة من أصحاب الهمم أنفسهم، عبر تطوير مهاراتهم ومؤهلاتهم، ومن بعض المسؤولين ومديري الإدارات.
وأضاف: «نطلب فرصة، والتوظيف يجب أن يقوم على الكفاءة والمهارات ومتطلبات الوظيفة، شأننا في ذلك شأن أي موظف آخر»، مشدداً على أهمية الاستفادة من برامج التدريب والتقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي والمنصات التعليمية الرقمية لتعزيز القدرات التنافسية في سوق العمل.
واستعرض سبيت مسيرته المهنية التي بدأت في بلدية دبي عام 1998، قبل انتقاله إلى هيئة الثقافة والفنون في الإمارة عام 2024، موضحاً أنه تدرج وظيفياً وتولى مسؤوليات ومهام قيادية، وشارك في فرق العمل والمبادرات المجتمعية والتطوعية، بفضل حرصه على تطوير قدراته وإثبات كفاءته.
وأشار إلى أن تجربته الرياضية، بوصفه أول بطل أولمبي من أصحاب الهمم في دولة الإمارات عام 1995، أتاحت له متابعة التحولات التي شهدتها الدولة في التعامل مع هذه الفئة، من التركيز على الرعاية والمساعدة إلى منظومة تشمل التدخل المبكر والدمج التعليمي والتأهيل والتوظيف والاستقلالية.
وشدد على أن المرحلة المقبلة تتطلب تغيير الصور النمطية المرتبطة بقدرات أصحاب الهمم، وتعزيز فرصهم في التطور المهني، مؤكداً أن تطوير المهارات وتحمل المسؤوليات يسهمان في بناء الثقة وفتح آفاق أوسع للتقدم الوظيفي.
التهيئة والاندماج في فريق العمل
من جانبه، أكد حامد الهاشمي، الموظف في قسم الدمج المجتمعي بهيئة تنمية المجتمع في دبي، أن تهيئة بيئة العمل تشمل المداخل والمخارج ودورات المياه، إلى جانب توفير التجهيزات المكتبية والأدوات المساعدة وفق احتياجات كل موظف وطبيعة إعاقته.
وأوضح أن نجاح الدمج لا يرتبط بالتجهيزات وحدها، بل يتطلب أيضاً تعزيز وعي الزملاء بأساليب التواصل والتعامل المناسبة، بما يضمن مشاركة الموظف من أصحاب الهمم في العمل الجماعي وعدم عزله عن محيطه المهني، الأمر الذي ينعكس إيجاباً على إنتاجيته وشعوره بالانتماء إلى المؤسسة.
وأكد أهمية اعتماد الكفاءة والمؤهلات أساساً للتوظيف، مستشهداً بتجربته الشخصية، إذ التحق بوظيفته الحالية استناداً إلى خبراته العملية السابقة ومؤهلاته الدراسية، ويواصل دراسته حالياً لتطوير قدراته.
وأضاف أن مسؤولية جهة العمل لا تنتهي بالتعيين، وإنما تشمل تدريب الموظف وتطوير كفاءته وتأهيله لأداء مهامه بصورة أفضل، وتشجيعه على استكمال تعليمه، بما يتيح له فرصاً أوسع للتقدم المهني.
بدوره، أكد أحمد سالم حسن، أخصائي جودة أول في النيابة العامة بدبي، وعضو فريق الجهة الصديقة لأصحاب الهمم، أن النيابة تتعامل مع الموظفين من أصحاب الهمم على قدم المساواة مع بقية الموظفين في الاستقطاب والتعيين، وفق الاشتراطات والإجراءات والاختبارات الوظيفية نفسها، بعيداً عن الشفقة أو اعتبار الإعاقة سبباً للتعيين.
وأوضح أن النيابة العامة بدبي تضم نحو 11 موظفاً من أصحاب الهمم، يشكلون ما يقارب 1.2% من إجمالي موظفيها، معظمهم من ذوي الإعاقات الجسدية، مشيراً إلى أن طلبات التوظيف تتيح للمتقدم تحديد ما إذا كان من أصحاب الهمم، بهدف التعرف إلى طبيعة إعاقته واحتياجاته، دون أن يؤثر ذلك في إجراءات تقييمه الوظيفي.
ولفت إلى أن النظرة القاصرة إلى قدرات أصحاب الهمم تمثل أحد التحديات التي قد تواجههم في محيط العمل، مؤكداً أهمية ترسيخ ثقافة مؤسسية تتعامل معهم بصورة طبيعية، وتقيّم أداءهم على أساس الكفاءة والإنجاز.
في المقابل، أكدت فاطمة مفتاح حمد الكيبالي أن بعض أصحاب الهمم لا يزالون يواجهون تحديات في سوق العمل، أبرزها محدودية فرص التدريب والتأهيل المتخصص، واستمرار الصور النمطية بشأن قدراتهم، والحاجة إلى حوافز تشجع أصحاب العمل على توفير وظائف مستدامة وشاملة.
وأوضحت أن التحديات تختلف بحسب طبيعة المؤسسة والإعاقة، وقد تشمل عدم توافر التجهيزات الهندسية التي تسهل حركة مستخدمي الكراسي المتحركة، أو المصاعد المهيأة، وأنظمة الإنذار البصرية للأشخاص ذوي الإعاقة السمعية، والبرامج التقنية المساعدة التي تيسر التصفح والتواصل وإنجاز المهام المكتبية.
وأضافت أن توفير بيئة عمل ملائمة يجب أن يتكامل مع برامج تعليمية وتدريبية تتناسب مع احتياجات مختلف الإعاقات، ومسارات انتقالية تربط مراكز الرعاية والتأهيل بسوق العمل الفعلي، بما يساعد أصحاب الهمم على اكتساب المهارات المطلوبة والالتحاق بوظائف تتناسب مع مؤهلاتهم.
ولفتت إلى أن بعض الممارسات قد تقتصر على التوظيف الشكلي من دون إسناد مهام حقيقية إلى الموظف، مؤكدة أن هذا النوع من التعيين لا يحقق أهداف الدمج المهني. كما شددت على أهمية رفع وعي الإدارات والزملاء بأساليب التواصل المناسبة، ومنها لغة الإشارة.
وطرق التعامل التي تحافظ على استقلالية أصحاب الهمم وكرامتهم. واقترحت توفير حوافز مالية وضريبية للشركات التي توسع توظيف أصحاب الهمم، إلى جانب الالتزام بمعايير تهيئة بيئات العمل والاستفادة من الأدلة الاسترشادية الخاصة بالتوظيف.
ودعت إلى تنظيم ورش عمل دورية للموظفين والإدارات لتعزيز الوعي باحتياجات أصحاب الهمم، وتجاوز الحواجز النفسية والصور النمطية.
وأكدت أن الدمج الوظيفي الحقيقي يتطلب بيئة مهنية تؤمن بقدرات أصحاب الهمم، وتتيح لهم التدريب والتطور والمشاركة الفعلية في الإنتاج، بما يضمن استقرارهم الوظيفي واستدامة مشاركتهم في التنمية الاقتصادية والمجتمعية.
وتستند جهود الدولة في هذا المجال إلى إطار تشريعي ينظم حقوق أصحاب الهمم في العمل، من أبرز مكوناته قرار مجلس الوزراء رقم 43 لسنة 2018 بشأن دعم عمل ذوي الإعاقة «أصحاب الهمم»، الذي ينص على ضمان فرص العمل المتكافئة، وعدم التمييز خلال مراحل التوظيف، والمساواة في الأجور، وتوفير ظروف عمل آمنة وصحية، إلى جانب الترتيبات التيسيرية المعقولة وبرامج التأهيل والتدريب.
وعلى مستوى دبي، كشف تقرير «التوظيف الدامج 2024»، الصادر عن دائرة الموارد البشرية لحكومة دبي، وأُعلنت نتائجه في يونيو 2025، عن وجود 326 موظفاً من أصحاب الهمم في الجهات الحكومية بالإمارة، بينهم 237 مواطناً، يشكلون 72.7% من إجمالي الموظفين المشمولين بالتقرير.
وتؤكد هذه التجارب والجهود أن توظيف أصحاب الهمم لا ينبغي أن يكون مجرد استجابة لمتطلبات تشريعية أو أرقام مستهدفة، بل استثمار في الكفاءات والقدرات، يبدأ بإتاحة الفرصة على أساس الجدارة، ويتواصل بتهيئة بيئة العمل وإسناد المسؤوليات وتوفير فرص التطور، وصولاً إلى مشاركة مهنية حقيقية تعكس قدراتهم وإسهاماتهم في مسيرة التنمية.