300 لغة إشارة في العالم يستخدمها نحو 72 مليون أصم

33 مترجماً في الدولة ودعوات لتأهيل مزيد من الكوادر المواطنة

أكد مختصون ومستخدمون للغة الإشارة أهمية تعليم أساسيات «لغتهم» التي يطلق عليها حديث الأيدي في المدارس وأماكن العمل، بما يسهم في تسهيل التواصل مع الأشخاص الصم وتعزيز مشاركتهم، مشيرين إلى أن دمج الطالب الأصم في المدرسة يتطلب وجود لغة مشتركة تتيح له التفاعل مع زملائه ومعلميه.

وقال صلاح عبدالرحيم، أخصائي لغة الإشارة في هيئة تنمية المجتمع بدبي، إن وجود الطالب الأصم بين أقرانه السامعين لا يكفي لتحقيق الدمج إذا لم يتمكن من التواصل معهم، إذ قد يشعر بالعزلة رغم وجوده بينهم، مقترحاً إعداد منهج مبسط يعرّف الطلبة بأساسيات لغة الإشارة واستخداماتها اليومية، حتى يكتسبوا منذ الصغر مهارة تساعدهم على التواصل مع الأشخاص الصم في المدرسة، ثم في حياتهم العملية والاجتماعية.

وأوضح أن لغة الإشارة تمثل اللغة الأم لـ72 مليون أصم وضعيف سمع، وأن أهميتها تنبع من كونها وسيلتهم للتواصل والتعبير عن احتياجاتهم وأفكارهم، وشبّه الحاجة إلى تعلّمها بالحاجة إلى معرفة لغة شخص قادم من دولة أخرى، حتى يستطيع الطرفان فهم بعضهما والتعامل معاً.

وأشار إلى أن من الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن لغة الإشارة واحدة في العالم، موضحاً أن هناك نحو 300 لغة إشارة حول العالم، وأنها تختلف بين الدول، وتوجد فيها اختلافات تشبه اللهجات، إذ تختلف لغة الإشارة الإماراتية عن نظيراتها البريطانية والصينية وغيرها.

وتحدث عن اختلاف أساليب التواصل بين مستخدمي الإشارة، موضحاً أن بعض الأشخاص الذين لم تتح لهم فرص التعليم، لا سيما في البيئات البعيدة عن المدن، يستخدمون إشارات منزلية أو محلية خاصة بمحيطهم، فيما يستخدم آخرون لغة الإشارة المتداولة في المؤسسات والبيئات التعليمية.

وأكد أن الأشخاص الصم هم مصدر لغة الإشارة، إذ تنشأ الإشارات بينهم وتنتشر داخل مجتمعهم، ثم يتعلمها منهم المترجمون والسامعون، لافتاً إلى أن كثيراً من الإشارات مأخوذ من البيئة المحيطة.

وأضاف أن تعلّمها ليس صعباً، لكنه يحتاج إلى الممارسة مع الأشخاص الصم، حتى يتمكن المتعلم من فهمها واستخدامها في المواقف المختلفة.

وقدّر عدد مترجمي لغة الإشارة في الدولة بنحو 33 مترجماً، معتبراً أن العدد لا يكفي لتغطية احتياجات المدارس والمؤسسات المعنية بالأشخاص الصم.

ودعا إلى تأهيل مزيد من المترجمين، لا سيما من المواطنين، مشيراً إلى محدودية عددهم بين المترجمين، وأهمية معرفتهم باللهجة والبيئة الإماراتية في تسهيل التواصل.

وفي سياق عام الأسرة، شدد على أهمية تعلّم الوالدين وبقية أفراد الأسرة أساسيات لغة الإشارة، حتى يتمكنوا من التواصل مع أبنائهم الصم، مؤكداً دور هيئة تنمية المجتمع والمؤسسات الدامجة في الدولة في توفير التدريب للراغبين في تعلّمها.

وأشاد بمبادرة الهيئة «دبي تتواصل بلغة الإشارة»، التي شهدت إقبالاً من أولياء الأمور والمدارس والأشخاص الذين لم تكن لديهم معرفة سابقة بها، داعياً إلى تشجيع أفراد المجتمع على تعلّمها بالشغف نفسه الذي يدفعهم إلى اكتساب لغات أخرى، لما تتيحه من فرص للتواصل مع الأشخاص الصم.

وفي السياق نفسه، قالت نهيدة عدنان البارودي، مترجمة لغة إشارة ومدربة في محاكم دبي ومتخصصة في لغة الإشارة والدمج المجتمعي، إن تعليم أساسيات لغة الإشارة في المدارس وأماكن العمل يعزز الوعي المجتمعي ويدعم تكافؤ الفرص.

مشيرة إلى أن تعلّم إشارات بسيطة يمكن أن يحدث فرقاً في حياة الأشخاص الصم، ويساعدهم على التعبير عن احتياجاتهم والمشاركة باستقلالية أكبر.

وأوضحت البارودي أن غياب التواصل قد يصعّب على الشخص الأصم التعامل في المواقف اليومية والمهنية، مؤكدة أهمية توفير بيئة يستطيع فيها التواصل بيسر مع الموظفين والمتعاملين ومن حوله.

ونصحت بالبدء بإشارات التحية والتعارف والشكر وطلب المساعدة، ثم تعلّم الإشارات المرتبطة بالدراسة والعمل، مع التركيز على لغة الإشارة الإماراتية.

وأضافت أن التدريب العملي والتفاعلي المرتبط بالمواقف اليومية يساعد المتدربين على استخدام ما تعلّموه بثقة، فيما تسهم الممارسة المستمرة في ترسيخ معرفتهم باللغة.

ولفتت إلى أن من المفاهيم الخاطئة اعتبار لغة الإشارة مجرد حركات باليدين، موضحة أنها لغات طبيعية لها قواعدها وخصائصها، وأن الصمم لا يعني غياب القدرات، وإنما قد تحول صعوبات التواصل دون إظهارها بالشكل المطلوب.

ودعا أصحاب الهمم من ذوي الإعاقة السمعية إلى حاجتهم لتعليم أساسيات لغة الإشارة في المدارس وأماكن العمل، وتوفير مترجمين ووسائل اتصال مرئي في المؤسسات، مؤكدين أن القدرة على التواصل المباشر تسهّل مشاركة الأشخاص الصم في التعليم والعمل والحياة اليومية.

وفي هذا السياق، أكدت الطالبة عائشة بدر، طالبة علم الاجتماع في جامعة الشارقة من فئة الصم، أهمية تعليم لغة الإشارة للطلبة مثل سائر اللغات، حتى يعتادوا استخدامها منذ الصغر في التواصل مع زملائهم الصم، ويستفيدوا منها لاحقاً عند دخولهم سوق العمل.

وروت أنها كانت تخشى قبل التحاقها بالجامعة عدم توافر مترجم يرافقها داخل القاعات الدراسية والمحاضرات، إلا أن وجود مترجمي لغة الإشارة ساعدها على تجاوز مخاوفها، والتواصل مع زملائها وأعضاء الهيئة التدريسية، والمشاركة في الأنشطة الجامعية.

وأشارت إلى أنها اختارت علم الاجتماع لرغبتها في العمل بالمجال الاجتماعي، إلى جانب اهتمامها بالأنشطة وشغفها بالتصوير، مؤكدة رغبتها في إبراز قدراتها ومواهبها وإيصال رسالة بأن الأشخاص الصم يستطيعون التواصل والمشاركة في مختلف المجالات.

وتعكس تجربة منى المازمي، فئة الصم موظفة في محاكم دبي، صعوبات التواصل التي قد تبدأ منذ الطفولة، إذ تحدثت عن التحديات التي واجهتها حين كانت معرفة المحيطين بها بلغة الإشارة محدودة، ما دفع أسرتها إلى التركيز على تعليمها النطق والتخاطب وإلحاقها بمدرسة دمج.

وأعربت عن امتنانها لدعم أسرتها، لا سيما شقيقتها، الذي ساعدها على تجاوز تلك الصعوبات، موضحة أنها تعتمد اليوم على قراءة حركة الشفاه، إلى جانب استخدام سماعة تساعدها على التقاط نبرة الصوت. وأبدت أملها في تدريس لغة الإشارة في المدارس مثل اللغات الأخرى، وتعليم الموظفين أساسياتها.

وتمتد أهمية لغة الإشارة إلى تعزيز التواصل داخل الأسرة ومتابعة الأبناء دراسياً، وقالت نصرة أحمد علي، موظفة في محاكم دبي وهي أم من الصم وزوجها من الصم أيضاً، إنها واجهت صعوبة في مساعدة أبنائها السامعين على فهم بعض الدروس.

وأوضحت أنه رغم قدرتهم على قراءة حركة شفتيها، لم تتمكن أحياناً من إيصال بعض الكلمات والمعلومات الدراسية بدقة، وأن تكرار أخطاء أحد أبنائها دفع معلمته إلى السؤال عمّن يساعده في الدراسة، ما جعلها تستعين بمعلمة لمتابعته.

وأضافت أنها حرصت على تعليم أبنائها لغة الإشارة منذ الصغر، حتى أصبح أصغرهم، البالغ أربع سنوات، يفهم إشارات تعبّر عن احتياجاته اليومية.

ودعت مريم الحمادي، فئة الصم، موظفة في محاكم دبي، إلى توفير خدمات الاتصال المرئي في مختلف الجهات والمؤسسات، مشيرة إلى أن مكالمات الفيديو أتاحت وسيلة للتواصل بلغة الإشارة لم تكن متوفرة سابقاً، لكنها لا تزال غير متاحة لدى جميع الجهات.

وأكدت أهمية وجود مترجم لغة إشارة عند زيارة المؤسسات، أو إتاحة الاتصال به مرئياً عبر الجهة المعنية بدعمهم. وقالت حصة الجابر، فئة الصم، موظفة في بلدية دبي، إن نشر لغة الإشارة بصورة أوسع في الدوائر الحكومية والأماكن العامة يسهم في تسهيل التواصل مع الأشخاص الصم ودمجهم في بيئات العمل والمجتمع.

وأشارت إلى وجود رغبة لدى كثيرين في تعلّم لغة الإشارة، وأيّدت تعليم أساسياتها في المدارس وتشجيع أفراد الأسرة على تعلّمها، حتى يتمكن الشخص الأصم من التواصل مع من حوله دون الحاجة دائماً إلى طرف ثالث.

من جهته، رأى عبدالرحمن المندوس، ضابط أول في هيئة الطرق والمواصلات، أن تعليم لغة الإشارة في المدارس يسهم في تنشئة جيل أكثر وعياً بكيفية التواصل مع الأشخاص الصم، ويقلل حواجز التواصل بينهم وبين زملائهم، موضحاً أن تعلّمها منذ الصغر يمنح الطالب مهارة يستطيع تطويرها وممارستها في حياته اليومية وعمله.

وأكدت هدى العامري، فئة الصم، موظفة في محاكم دبي، أهمية تعليم لغة الإشارة لتعزيز دمج الأشخاص الصم ومساواتهم في التعليم والعمل، داعية إلى توفير دورات لمختلف فئات المجتمع، إلى جانب برامج أكاديمية لتأهيل المتخصصين، وإتاحة كتيبات باللغة العربية ولغة الإشارة. وأشارت إلى أن تعلّمها ليس صعباً، وأن انتشارها يسهّل التواصل ويعزز مشاركة الأشخاص الصم في المجتمع.