إطلاق حملات تضليل وإنتاج محتوى وتوليد بيانات وصور بالذكاء الاصطناعي
ضرورة امتلاك المتلقي مهارات الفرز والتحقق والعودة إلى المصادر الموثوقة
نبه متخصصون إلى أن تصدّر وسم ما أو تضخّم التفاعل حول قضية معينة، في عالم المنصات الرقمية، لم يعد دليلاً كافياً على أنها تشغل الرأي العام فعلاً، فقد يكون ما يبدو «مزاجاً شعبياً» نتاجاً لتفاعل محدود لكنه مكثف ومنسق، أو لخوارزميات تدفع محتوى بعينه إلى واجهة الاهتمام، أو لحملات رقمية تستثمر في سرعة الانتشار قبل اكتمال التحقق. ووجهوا سؤالاً:
من صنع هذا الضجيج الإعلامي؟ ولماذا؟ وهل يعكس حقاً نبض المجتمع، أم صدى خوارزمية ومصالح منظمة؟
في ظل تحذير من أن اللجان الإلكترونية قد تشوّه المشهد أمام صناعة القرار، وهي إشارة تكتسب أهمية متزايدة مع تحوّل المنصات إلى ساحة فاعلة في تشكيل الانطباعات، وتوجيه النقاشات، وأحياناً إعادة تعريف ما يبدو مهماً أو عاجلاً في المجال العام.
يرى الدكتور السيد درويش، أستاذ الصحافة والإعلام في جامعة زايد، أن المشكلة لم تعد في قدرة المنصات على صناعة «الترند»، بل في الخطأ الذي قد يقع فيه الإعلام حين يتعامل معه بوصفه عينة ممثلة للمجتمع. ويقول درويش:
إن الترند، في كثير من الأحيان، «عينة من الخوارزمية قبل أن يكون عينة من الرأي العام»، لأن ما يظهر للمستخدمين ليس بالضرورة ما يقوله المجتمع بأكمله، بل ما تراه الخوارزمية قابلاً لمزيد من الانتشار، استناداً إلى أنماط التفاعل وسلوك المستخدمين وأولوية المحتوى المثير للانتباه.
ويضيف أن اللجان الإلكترونية وأصحاب المصالح يدركون هذه القاعدة جيداً، إذ لا يحتاجون بالضرورة إلى إقناع أغلبية الناس بموقف معين، بقدر ما يحتاجون إلى إنتاج ضجيج رقمي كثيف حوله، فهذا النشاط المنظم قد يدفع الخوارزمية إلى التعامل مع الموضوع باعتباره رائجاً، قبل أن تتولى المنصة توسيع دائرة ظهوره وتكراره.
وبذلك، يمكن لتأثير بشري محدود أن يبدو، بفعل التكرار والتضخيم الخوارزمي، وكأنه رأي جماهيري واسع يتجاوز حجمه الحقيقي. وفي هذا الاطار يحذر درويش من أن الخطر يتضاعف عندما تلتقط المؤسسات الإعلامية الترند باعتباره مؤشراً مباشراً إلى اهتمام المجتمع.
فتمنحه مساحة في العناوين والنشرات والتغطيات العاجلة، من دون اختبار مدى تمثيله الفعلي للرأي العام، ويشرح أن ذلك يخلق دائرة متصلة من التضخيم: يبدأ الأمر بتفاعل مصطنع أو محدود، ثم تدفعه الخوارزمية نحو مزيد من الظهور، فتلتقطه وسائل الإعلام، قبل أن تعيد التغطية الإعلامية ضخّه إلى المنصات فيكتسب تفاعلاً جديداً وشرعية ظاهرية إضافية.
ويقول: إن النتيجة هي انتقال القضية من مجرد «محتوى متداول» إلى موضوع يبدو وكأنه يمثل اهتماماً مجتمعياً واسعاً، بينما قد يكون في حقيقته محكوماً بحسابات منظمة أو تفاعلات متكررة أو آليات توزيع رقمية لا تعكس بالضرورة الرأي العام.
ويوضح الدكتور درويش أن التحدي الحقيقي أمام الإعلام وصانع القرار هو الانتقال من سؤال: «ما هو الترند؟» إلى سؤال أكثر عمقاً: من الذي جعله ترنداً، ولأي غرض؟
من جانبه، يرى الدكتور يسار جرار، عضو مجلس الأمناء في كلية محمد بن راشد للإدارة الحكومية بدبي، أننا ندخل مرحلة جديدة ومقلقة في عصر المعلومات، بعدما أصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي قادرة على إنتاج المحتوى، وتوليد بيانات وصور ومعلومات اصطناعية، وإطلاق حملات تضليل أو تضخيم خلال ثوانٍ.
ويشير إلى أن تطور القدرة على صناعة الإشارات الرقمية لم يواكبه تطور مماثل في أدوات الرصد والتحقق وقياس الرأي العام، بما يتيح التمييز بين ما هو مرتفع الصوت وما هو ممثل فعلاً للمجتمع.
ويصف جرار هذا الخلل بما يسميه «مشكلة الـ%1»، أي قدرة نسبة ضئيلة جداً من المستخدمين، وربما أقل من واحد في المئة، على اختطاف تصور المجتمع لما يفكر فيه الجمهور، وتحويل رأي محدود إلى ما يبدو رأياً عاماً واسعاً.
ويؤكد أن الخطر لم يعد مقتصراً على الأخبار الزائفة في معناها التقليدي، بل يتجاوزها إلى ما يمكن وصفه بـ«الإدراك الزائف للرأي العام»، حين تُبنى الانطباعات أو القرارات على مشهد رقمي لا يعكس الواقع الاجتماعي بدقة.
ويضيف أن هذا التحدي يزداد أمام الحكومات، خصوصاً في بيئة تتطلب قرارات أسرع وأحياناً أكثر حساسية تحت ضغط الأحداث والإعلام والمنصات. فإذا اختُطف تصور الرأي العام، فقد تتأثر السياسات والقرارات والاستثمارات بقراءات غير دقيقة، رغم أنها تبدو منطقية استناداً إلى المعلومات المتاحة.
كما يمتد الأثر، وفق جرار، إلى ثقة المستثمرين، وقرارات السياح، وسمعة الدول، وتوجهات الأسواق العالمية، ما يجعل بناء أدوات أكثر دقة لرصد المزاج العام والتحقق من مصادر التفاعل أولوية تتجاوز المجال الإعلامي وحده.
بدوره، يؤكد الكاتب والصحفي علي مرجان، أن فهم تأثير وسائل التواصل الاجتماعي لا ينبغي أن يبدأ من عدد متابعي المؤثرين أو حجم وصولهم فقط، بل من القوة التي تمارسها الخوارزميات في تحديد ما يراه المستخدم وتكراره أمامه.
ويقول مرجان: إن المستخدم، بمجرد إبدائه اهتماماً بفكرة أو تفاعله مع منشور يتعلق بقضية معينة، قد يجد نفسه أمام تدفق متواصل من المنشورات والمقاطع المرتبطة بالموضوع نفسه. وهذا التعرض المكثف والمتكرر يمكن أن يؤثر تدريجياً في الانطباعات والاتجاهات وطريقة فهم القضايا.
ويضيف أن المستخدم لا يكون دائماً أمام مشهد متوازن يعرض مختلف الآراء والمعلومات، بل أمام محتوى تختاره المنصة استناداً إلى اهتماماته وسلوكه السابق. ولذلك، فإن قوة التأثير لا ترتبط فقط بالمؤثر الظاهر أمام الجمهور، بل تشمل أيضاً الخوارزمية التي تقرر حجم انتشار المحتوى وتكراره والفئات التي يصل إليها.
مسؤولية
ويشدد مرجان على أن وصف الشخص بأنه «مؤثر» لا يعني امتلاكه أرقاماً كبيرة من المتابعين والمشاهدات فحسب، بل يعني امتلاك تأثير فعلي في الآخرين، وهو ما يرتب عليه مسؤولية مهنية وأخلاقية تجاه ما يقدمه. فالمؤثر، بحسب مرجان، لا ينبغي أن يتعامل مع المحتوى بوصفه وسيلة لتحقيق انتشار سريع أو رفع معدلات التفاعل فقط، بل باعتباره رسالة يمكن أن تترك أثراً في وعي الجمهور، وتؤثر في قراءته للقضايا والأحداث.
ويؤكد أن التوازن في تناول الموضوعات العامة هو جوهر المسؤولية الاجتماعية للمؤثر، خصوصاً في بيئة رقمية تتنازع فيها الرسائل المتعارضة، بينما تحدد الخوارزميات أيها يحظى بحضور أكبر وتكرار أعلى. لكن المسؤولية، في رأيه، لا تقع على صانع المحتوى وحده، إذ يحتاج المتلقي أيضاً إلى امتلاك مهارات الفرز والتحقق والعودة إلى المصادر الموثوقة.
ومع ذلك، يلفت إلى أن تحميل الجمهور كامل عبء التحقق ليس واقعياً، في ظل سرعة تدفق المحتوى ومحدودية الوقت والانتباه، وتتابع الأخبار والمنشورات والمقاطع على مدار الساعة.
أما الدكتور عبدالمنعم الخضر، من أكاديمية الإعلام الجديد، فيرى أن حجم التفاعل الرقمي لم يعد معياراً كافياً لقياس نبض المجتمع، لأن هناك فارقاً جوهرياً بين رأي يتشكل بصورة طبيعية، وضجيج يجري تصنيعه وضخه وتكثيفه.
ويؤكد أن الوعي الإعلامي والرقمي بات ضرورة لقراءة ما وراء الترند، والتمييز بين المزاج الشعبي الحقيقي والمزاج المصنّع، حتى لا يتحول الوهم الرقمي إلى صورة مضللة تؤثر في التغطية الإعلامية أو تربك صانع القرار في قراءته للواقع.
بدوره، يوضح الدكتور عبيد صالح المختن، الباحث في تقنية المعلومات والجريمة الإلكترونية، أن الخوارزميات أصبحت أحد أبرز العوامل المؤثرة في تشكيل الرأي العام، إذ لم تعد المنصات الرقمية مجرد مساحة لعرض المحتوى، بل باتت خوارزمياتها تتحكم بدرجة كبيرة في ترتيب ما يظهر للمستخدم، وما يتكرر أمامه، وما يحظى بالأولوية في دائرة اهتمامه.
وقال إن التأثير الأخطر لا يكمن فقط في المحتوى المنشور، وإنما في آلية اختياره وتكراره وانتشاره، مشيراً إلى أن المستخدم قد يعتقد أنه يختار بصورة كاملة ما يشاهده ويتابعه، في حين تعمل الخوارزميات في الخلفية على توجيه انتباهه استناداً إلى تفاعلاته واهتماماته السابقة، بما قد يحصره داخل دائرة محددة من الأفكار والمعلومات.