تحتفي دولة الإمارات في الأول من أكتوبر من كل عام باليوم العالمي لكبار المواطنين، الذي يمثل مناسبة لتسليط الضوء على إسهاماتهم في مسيرة المجتمع، والتأكيد على أهمية توفير بيئة داعمة تعزز حقوقهم وكرامتهم وجودة حياتهم.

ويجسد الاحتفاء بهذه المناسبة نهجًا إماراتيًا يقوم على تقدير العطاء المتراكم لكبار المواطنين، وترسيخ مكانتهم باعتبارهم شركاء فاعلين في المجتمع، مع مواصلة العمل على توفير حياة كريمة وآمنة لهم، إذ على مدى عقود، قدم أبناء الإمارات وبناتها إسهامات أساسية في مسيرة بناء الدولة، وأسهموا بخبراتهم وجهودهم في ترسيخ نهضتها وتطورها.

واليوم، تواصل دولة الإمارات رد هذا العطاء من خلال منظومة متكاملة تهدف إلى رعاية كبار المواطنين وتمكينهم وتعزيز حضورهم الفاعل في المجتمع، انطلاقًا من تقدير دورهم ومكانتهم في الأسرة والمجتمع.

بيئة داعمة

ولا تقتصر هذه الجهود على توفير الخدمات الاجتماعية والصحية، بل تمتد إلى بناء بيئة داعمة تحفظ لكبار المواطنين كرامتهم واستقلاليتهم، وتشجعهم على مواصلة المشاركة في الحياة الاجتماعية والثقافية، والاستفادة من خبراتهم وتجاربهم المتراكمة.

تنظر الإمارات إلى كبار المواطنين باعتبارهم جزءًا أصيلًا من نسيج المجتمع، وليسوا مجرد فئة تحتاج إلى الرعاية، ولذلك تركز السياسات والمبادرات الموجهة إليهم على التمكين والمشاركة والاستفادة من الخبرات إلى جانب الحماية والرعاية.

جودة الحياة

وتأتي هذه الرؤية ضمن توجه أوسع لتعزيز جودة حياة كبار المواطنين، من خلال توفير الخدمات التي تساعدهم على الاستمرار في ممارسة أدوارهم داخل الأسرة والمجتمع، والمشاركة في الأنشطة التي تتناسب مع اهتماماتهم وقدراتهم.

عملت دولة الإمارات على تطوير إطار مؤسسي وتشريعي يدعم حقوق كبار المواطنين ويوفر لهم الحماية والرعاية اللازمة.

ويبرز في هذا السياق القانون الاتحادي بشأن حقوق كبار المواطنين، الذي رسخ مجموعة من المبادئ المتعلقة بحقوق هذه الفئة، بما في ذلك الرعاية الصحية والاجتماعية، والحماية من الإهمال والإساءة، وضمان مشاركتهم المجتمعية، وتوفير بيئة تساعدهم على العيش باستقلالية وكرامة.

كما تتكامل الجهود الاتحادية والمحلية عبر برامج ومبادرات متنوعة تقدمها الجهات الحكومية والمؤسسات المجتمعية في مختلف إمارات الدولة.

الجانب الصحي

يحظى الجانب الصحي باهتمام محوري ضمن منظومة رعاية كبار المواطنين، مع التركيز على توفير خدمات صحية تتناسب مع احتياجاتهم، وتعزيز الوقاية والكشف المبكر، إلى جانب دعم الرعاية المنزلية والمجتمعية عند الحاجة.

وتساعد هذه الخدمات على التعامل مع التحديات الصحية المرتبطة بالتقدم في العمر، مع التركيز على الحفاظ على الاستقلالية وتحسين جودة الحياة، بدلًا من اقتصار الرعاية على التعامل مع المرض بعد حدوثه.

التحول الرقمي

ومع التحول الرقمي الذي تشهده الدولة، أصبحت التكنولوجيا عنصرًا مهمًا في تطوير الخدمات المقدمة لكبار المواطنين.

وتعمل الجهات الحكومية على تبسيط الوصول إلى الخدمات، وتوفير قنوات رقمية تساعد كبار المواطنين وأسرهم على إنجاز عدد من المعاملات والاستفادة من الخدمات دون الحاجة إلى التنقل المتكرر.

كما تبرز أهمية الحلول التقنية في مجالات الرعاية المنزلية والمتابعة الصحية والتواصل، بما يدعم استقلالية كبار المواطنين ويمنح أسرهم مزيدًا من الاطمئنان.

لا تنظر الإمارات إلى رعاية كبار المواطنين باعتبارها مسؤولية المؤسسات الحكومية وحدها، بل تؤكد أهمية الأسرة باعتبارها البيئة الأولى والأكثر تأثيرًا في حياة كبار السن.

ومن هنا تأتي المبادرات التي تعزز الترابط الأسري والتواصل بين الأجيال، وتشجع على الحفاظ على مكانة كبار المواطنين داخل الأسرة، والاستفادة من خبراتهم وقصصهم وتجاربهم في نقل القيم والمعارف إلى الأجيال الجديدة.

فوجود كبير المواطن داخل أسرته ومشاركته في تفاصيل الحياة اليومية لا يمثل جانبًا اجتماعيًا فقط، بل يساهم أيضًا في تعزيز التواصل بين الأجيال والحفاظ على الذاكرة الاجتماعية والثقافية للمجتمع.

أحد أبرز ملامح التجربة الإماراتية يتمثل في الانتقال من مفهوم الرعاية فقط إلى مفهوم التمكين.

فكبار المواطنين يمتلكون خبرات مهنية واجتماعية وثقافية يمكن أن تشكل قيمة مضافة للمجتمع، ولذلك تتجه المبادرات إلى إتاحة مساحات لهم للمشاركة في الفعاليات والأنشطة المجتمعية والثقافية والتطوعية، وفق قدراتهم واهتماماتهم.

ويعني ذلك أن التقدم في العمر لا ينظر إليه باعتباره نهاية للعطاء، وإنما مرحلة يمكن خلالها الاستمرار في المشاركة وتبادل الخبرات والإسهام في المجتمع بطرق مختلفة.

برامج اجتماعية

تتعدد المبادرات التي تستهدف كبار المواطنين في الدولة، وتشمل برامج اجتماعية وثقافية وترفيهية وصحية، إضافة إلى خدمات الدعم والرعاية المنزلية والمجتمعية.

كما توفر بعض الجهات برامج للأنشطة الرياضية والحركية، والرحلات والفعاليات الاجتماعية، والورش التعليمية والثقافية، مثل أندية ذخر، بما يساعد على الحد من العزلة الاجتماعية وتعزيز النشاط والتواصل.

وتسهم هذه البرامج في جعل جودة الحياة مفهومًا متكاملًا لا يقتصر على الجانب الصحي، بل يشمل كذلك الصحة النفسية والاجتماعية، والاستقلالية، والشعور بالانتماء، والمشاركة المجتمعية.

ذاكرة

يمثل كبار المواطنين حلقة مهمة في سلسلة انتقال الخبرة بين الأجيال، فهم يحملون ذاكرة مرحلة تأسيس الدولة وتطورها، ويملكون تجارب في مجالات الحياة والعمل والأسرة والمجتمع.

ومن خلال المبادرات التي تشجع التواصل بين الأجيال، يمكن تحويل هذه الخبرات إلى مصدر للتعلم والإلهام، بحيث لا تبقى قصص الماضي حبيسة الذاكرة، وإنما تنتقل إلى الأبناء والأحفاد في صورة قيم وتجارب ودروس.

مجتمع متماسك

تعكس جهود دولة الإمارات في خدمة كبار المواطنين رؤية تقوم على أن المجتمع المتماسك هو الذي يحافظ على مكانة أفراده في مختلف مراحل حياتهم، ويقدر ما قدموه، ويوفر لهم الظروف التي تساعدهم على مواصلة حياة كريمة وفاعلة.

ومن الرعاية الصحية والاجتماعية إلى التمكين والمشاركة، تتجه التجربة الإماراتية نحو بناء بيئة تجعل كبار المواطنين شركاء في المجتمع، لا مجرد مستفيدين من خدماته.

وفي هذا الإطار، تصبح رعاية كبار المواطنين أكثر من مسؤولية مؤسسية، فهي تعبير عن ثقافة مجتمعية تضع الوفاء للعطاء، واحترام الإنسان، وتعزيز الترابط بين الأجيال في صميم مسيرتها التنموية.