في ورش امتلأت لعقود بأصوات المحركات وأيدي الرجال، صنعت الإماراتية هدى محمد المطروشي مكانها بثقة وإصرار، لتصبح أول ميكانيكية إماراتية، وتفتح باباً جديداً أمام المرأة للدخول إلى واحدة من أكثر المهن تحدياً، في قصة تجاوزت حدود النجاح الشخصي، لتتحول إلى نموذج وطني يجسد ثقافة الطموح التي أرستها دولة الإمارات.

لم تكن رحلتها بحثاً عن لقب أو شهرة، بل بدأت بحلم صغير نما مع السنوات، حتى أصبح تجربة ملهمة تثبت أن الشغف، حين يقترن بالإرادة والعمل، قادر على صناعة إنجازات غير مسبوقة.

لم تولد قصة هدى المطروشي داخل ورشة صيانة، وإنما بدأت منذ سنواتها الأولى، عندما كان الفضول يدفعها إلى اكتشاف طريقة عمل الأشياء من حولها.

كانت تنجذب إلى المحركات والأجهزة الميكانيكية، وتبحث عن تفسير لكل قطعة داخل السيارة، حتى تحول ذلك الفضول إلى شغف حقيقي بعالم السيارات.

ومع مرور الوقت، لم تكتفِ بالقراءة أو المشاهدة، بل اختارت أن تتعلم من الميدان، فبدأت منذ عام 2006 بالتردد على ورش صيانة السيارات، تراقب الفنيين أثناء العمل، وتتعرف إلى تفاصيل المحركات، وتسأل عن أسباب الأعطال وطرق إصلاحها، قبل أن تمارس العمل بنفسها، لتبني خبرتها خطوة بعد أخرى من خلال الاحتكاك المباشر والتجربة اليومية.

لم يكن دخول امرأة إلى عالم الميكانيكا أمراً مألوفاً، لذلك واجهت المطروشي في بداياتها الكثير من علامات الاستغراب والتشكيك في قدرتها على الاستمرار في هذه المهنة. ل

كنها تعاملت مع تلك المواقف باعتبارها دافعاً لإثبات الذات، فواصلت التعلم والتدريب حتى أتقنت أعمال الصيانة الميكانيكية، وأثبتت أن الاحتراف لا يرتبط بجنس الممارس، بل بمدى إتقانه للعمل، وجودة ما يقدمه.

وبفضل هذا الإصرار أصبحت أول امرأة إماراتية تشق طريقها في هذا المجال، لتغيّر الصورة النمطية عن المرأة في المهن الفنية، وتمنح كثيراً من الفتيات الثقة في خوض تجارب جديدة.

حرص

إلى جانب خبرتها العملية، حرصت هدى المطروشي على بناء مسيرتها الأكاديمية، فحصلت على درجة البكالوريوس في الإعلام، ثم درجة الماجستير في الإدارة والقيادة، لتجمع بين المعرفة العلمية والخبرة المهنية. وتعمل موظفة في حكومة الشارقة.

كما تدير مركز «إيمكس» لصيانة وخدمة السيارات، الذي أصبح اليوم إحدى ثمار رحلتها الطويلة مع عالم السيارات، إلى جانب مشاركاتها في المؤتمرات والملتقيات المتخصصة، حيث تنقل تجربتها إلى الشباب، وتؤكد أن النجاح يبدأ من الشغف ولا يتوقف عند حدود التخصص.

وأثمرت مسيرتها المهنية عن تعاون مع عدد من الجهات الحكومية والمؤسسات الوطنية والشركات العالمية، في مجالات تتعلق بالسيارات والتقنيات والخدمات، وهو ما يعكس المكانة التي وصلت إليها، والثقة التي اكتسبتها نتيجة خبرتها المهنية والتزامها بمعايير الجودة والاحتراف.

كما أصبحت تجربتها نموذجاً تستضيفه العديد من المبادرات والفعاليات الهادفة إلى تمكين المرأة، وتعزيز ثقافة العمل المهني، وترسيخ مفهوم أن جميع المهن متاحة أمام أصحاب الكفاءة والطموح.

وتعد مكالمة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، واحدة من أبرز المحطات في مسيرتها، بعدما عبّر سموه عن اعتزازه بما حققته، وشجعها على مواصلة طريقها، وهو ما منحها دفعة معنوية كبيرة ورسخ لديها مسؤولية تمثيل المرأة الإماراتية بأفضل صورة.

كما حظيت بتكريم من ديوان سمو ولي العهد، تقديراً لإنجازها الريادي، وما قدمته من نموذج مشرف يعكس قدرة المرأة الإماراتية على الإبداع في مختلف المجالات.

تؤمن هدى المطروشي بأن ميكانيكا السيارات ليست مجرد مهنة، بل رسالة تؤكد أن النجاح لا يرتبط بطبيعة العمل، وإنما بالإخلاص والإتقان والرغبة في التطوير.

ومن هذا المنطلق، تواصل مشاركة تجربتها مع الشباب، وتشجعهم على اكتشاف مواهبهم، وعدم الخوف من خوض المجالات غير التقليدية، مؤكدة أن دولة الإمارات وفرت بيئة تحتضن الإبداع، وتفتح المجال أمام كل من يملك الطموح لصناعة قصة نجاحه.

وبين أول خطوة داخل ورشة صيانة، وأول لقب لميكانيكية إماراتية، كتبت هدى المطروشي فصلاً جديداً في مسيرة المرأة الإماراتية، وأثبتت أن الإرادة الصادقة قادرة على كسر الحواجز، وأن حب الوطن يترجم بالعمل والتميز والقدرة على فتح آفاق جديدة للأجيال القادمة.