خلال شهر المرأة، نلتفت عادة إلى قصص النجاح الكبيرة، لكن أحياناً تكون أكثر القصص إلهاماً تلك التي تحدث كل يوم، بهدوء، في أماكن لا نعرف الكثير عما يجري خلف أبوابها..
وفي مركز أنظمة الطائرات المسيّرة بالإدارة العامة للعمليات في شرطة دبي، تعمل المهندسة فاطمة عيسى صنقور والملازم روضة راشد الكتبي في مجال سريع التطور، يجمع بين التكنولوجيا والعمل الميداني، ويحتاج إلى دقة عالية وقدرة دائمة على التعلّم.
بالنسبة إلى روضة، فإن جزءاً كبيراً من عملها لا يراه الناس، فقد يشاهد أحدهم طائرة مسيّرة تعمل بكفاءة، أو نظاماً يؤدي مهمته كما ينبغي، لكنه لا يرى كل ما سبق ذلك من تجارب واختبارات وربط للأنظمة ومحاولات متكررة للوصول إلى النتيجة الصحيحة.
وتقول إن طبيعة عملها تقنية في الأساس، وتشمل تجربة الأنظمة والطائرات المسيّرة واختبارها عملياً، وهو ما يتطلب فهماً تقنياً مستمراً، وسرعة في حل المشكلات، ومتابعة متواصلة لأحدث التقنيات.
وربما هذا هو الجانب الذي لا يظهر كثيراً عند الحديث عن التكنولوجيا، الجانب الذي يوضح التفاصيل الصغيرة والمحاولات الكثيرة خلف كل نظام ناجح.
معرفة وخبرة
أما فاطمة، فترى أن العمل في هذا المجال اليوم لم يعد يعتمد على مهارة واحدة فقط، فالمتخصص يحتاج إلى معرفة تقنية، وخبرة ميدانية، وفهم لأنظمة الطائرات المسيّرة والاتصالات وتحليل البيانات والذكاء الاصطناعي، لكن أكثر ما تؤكد عليه هو الاستعداد المستمر للتعلم، لأن المجال يتغير بسرعة، وما هو جديد اليوم قد يصبح أساسياً غداً.
وتقول فاطمة: «الأهم أن يكون المتخصص مرناً ومستعداً للتعلم المستمر، لأن هذا المجال يتطور بسرعة».
وبالنسبة إليها، فإن أكثر ما يجعل هذا العمل مميزاً هو رؤية الفكرة وهي تتحول إلى شيء حقيقي، فمن خلال عملها على منظومة الطائرات من دون طيار ذاتية التحكم، ومتابعة انتقال التقنية من الفكرة إلى التطبيق في الميدان، ترى بشكل مباشر كيف يمكن لهذه الأنظمة أن تسهم في سرعة الاستجابة ودعم اتخاذ القرار.
وتقول: «هنا أشعر أنني لا أواكب المستقبل فقط، بل أشارك في صناعته».
ولا تعملان فقط في مجال تقني متقدم، فهما تمثلان أيضاً حضوراً متزايداً للمرأة الإماراتية في تخصصات لم تكن مألوفة لها قبل سنوات.
وتتحدث روضة عن هذا الحضور باعتزاز، مشيرة إلى أن المرأة الإماراتية موجودة اليوم في الهندسة، والتكنولوجيا، والطيران، والطائرات المسيّرة وغيرها من المجالات، وأن هذا الحضور أصبح مساهمة حقيقية في التطوير والعمل وصناعة الحلول.
أما فاطمة، فتستعيد لحظات شعرت فيها بأن نجاحها لم يكن شخصياً فقط، خصوصاً أثناء مشاركتها في تطوير واختبار مشاريع الطائرات من دون طيار، وتمثيلها شرطة دبي في برامج ودورات تخصصية داخل الدولة وخارجها، ففي تلك اللحظات، شعرت بأنها تقدم صورة للمرأة الإماراتية القادرة على أن تكون جزءاً من أكثر القطاعات التقنية تقدماً، وأن تتعلم وتبتكر وتثبت نفسها فيه.
قدرة على التحدي
وعندما تُسأل روضة كيف ترى المرأة الإماراتية اليوم، تختصر الأمر ببساطة: "المرأة الإماراتية اليوم قادرة على كل تحدٍ".
أما فاطمة، فلديها رسالة واضحة لأي فتاة قد تفكر في دخول هذا المجال لكنها مترددة: أن تبدأ، وأن تتعلم من التجربة، وألا تخشى الخطأ، وألا تنتظر حتى تشعر بأنها تعرف كل شيء. فالمجالات التقنية، كما تقول، تحتاج إلى الشغف والفضول والاستمرار في التعلم أكثر مما تحتاج إلى خبرة كاملة منذ اليوم الأول.
وخلال شهر المرأة، تبدو قصة فاطمة وروضة مثالاً قريباً وواضحاً على شكل مختلف من النجاح.
ليس نجاحاً صاخباً، ولا قصة تحتاج إلى مبالغة، بل امرأتان تعملان كل يوم في مجال متقدم، تختبران أنظمة جديدة، وتحلان مشكلات معقدة، وتريان أفكاراً تتحول أمامهما إلى أدوات تعمل في الميدان. وهذا وحده كافٍ ليقول أن المرأة الإماراتية موجودة حيث تُصنع الأشياء الجديدة، وتشارك في بناء ما سيأتي بعد ذلك.