ساعة اهتمام يومية تقوي علاقة الوالدين بالأبناء

المشاركة الأسرية ترسخ الأمن النفسي والثقة بالنفس

البرامج الصيفية تنمي المهارات وتكشف المواهب

استثمار الفراغ والمشاركة في المبادرات المجتمعية يغرسان القيم

مع انتهاء العام الدراسي وبدء الإجازة الصيفية، تتغير تفاصيل الحياة اليومية داخل الأسر، حيث يتخلص الأبناء من ضغوط الدراسة والواجبات والاختبارات، في حين يبدأ أولياء الأمور البحث عن أفضل الطرق لاستثمار هذه الفترة بما يحقق الفائدة والمتعة لأطفالهم.

وبينما ترتبط الإجازة لدى بعض الأسر بالسفر أو الإنفاق على الأنشطة والبرامج الترفيهية، يؤكد مختصون وتربويون لـ«البيان» أن قيمة الصيف لا تقاس بحجم المصروفات أو عدد الرحلات، بل بجودة الوقت الذي تمنحه الأسرة لأبنائها، من خلال الحوار والمشاركة والأنشطة المشتركة والاهتمام بالتفاصيل اليومية التي تترك أثراً عميقاً في ذاكرة الطفل.

ويرى المختصون أن الطفل لا يحتفظ في ذاكرته بعد سنوات بعدد الألعاب التي حصل عليها أو تكلفة الرحلات التي شارك فيها، بقدر ما يتذكر المواقف التي شعر خلالها باهتمام والديه، واللحظات التي جمعته بأسرته، والأوقات التي شعر فيها بأنه محل اهتمام ورعاية، ما يجعل الإجازة الصيفية فرصة لتعزيز الروابط الأسرية بعد عام دراسي طويل انشغل فيه الجميع بالالتزامات اليومية.

وقت نوعي

وأكدت الاستشارية الأسرية الدكتورة ثناء عبدالعظيم أن من الأخطاء الشائعة لدى بعض الأسر الاعتقاد بأن وجود الوالدين في المنزل يكفي لتعزيز العلاقة مع الأبناء، موضحة أن الطفل يحتاج إلى وقت نوعي يشعر خلاله بأنه يحظى بالاهتمام الكامل.

وقالت إن تخصيص وقت يومي للحديث أو اللعب أو ممارسة نشاط مشترك قد يكون أكثر تأثيراً من قضاء ساعات طويلة في المنزل مع انشغال كل فرد بهاتفه أو جهازه الإلكتروني، مشيرة إلى أن جودة التواصل هي العامل الأهم في بناء علاقة صحية بين الوالدين والأبناء.

وأضافت أن الأطفال يرتبط لديهم الشعور بالحب بالاهتمام والرعاية، وليس بعدد الهدايا أو قيمة المشتريات، لافتة إلى أن الأنشطة البسيطة مثل إعداد وجبة معاً، أو قراءة قصة، أو ممارسة لعبة جماعية، تسهم في بناء روابط عاطفية قوية وتعزز شعور الطفل بالأمان والانتماء.

وأوضحت أن الإجازة الصيفية تمثل فرصة لإعادة اكتشاف شخصية الأبناء، والتعرف إلى اهتماماتهم ومواهبهم التي قد لا تظهر خلال العام الدراسي المزدحم، بما يساعد الأسرة على دعم قدراتهم وتنميتها.

دفء الأسرة

وأكد فيصل محمد الشمري، رئيس مجلس إدارة جمعية الإمارات لحماية الطفل، أن قضاء الأطفال إجازتهم الصيفية مع أسرهم يعد من العوامل المهمة في تعزيز الأمن النفسي لديهم، لأن الوقت الذي يقضيه الأبناء مع الوالدين يسهم في بناء علاقة قائمة على الحوار والثقة والاحتواء.

وقال إن الأسرة تستطيع تحويل الإجازة إلى تجربة ثرية من خلال مشاركة الأبناء في الأنشطة اليومية، والرحلات، والزيارات الثقافية، والبرامج التطوعية، والحوار المفتوح، موضحاً أن هذه الممارسات تساعد الأطفال على اكتساب مهارات حياتية لا توفرها العزلة أو الاستخدام المفرط للأجهزة الإلكترونية.

وأضاف أن ذكريات الطفولة المرتبطة بالأسرة تشكل رصيداً عاطفياً يبقى مع الإنسان طول حياته، وتعزز ثقته بنفسه وقدرته على بناء علاقات اجتماعية سليمة، داعياً أولياء الأمور إلى استثمار الإجازة في التقرب من أبنائهم ومنحهم مزيداً من الوقت والاهتمام.

استثمار الطاقات

من جانبها، أكدت موزة الشومي، عضو مجلس إدارة جمعية توعية ورعاية الأحداث، أن الإجازة الصيفية تمثل فرصة حقيقية لاستثمار طاقات الأبناء في أنشطة نوعية تسهم في بناء شخصياتهم وتنمية مهاراتهم، بدلاً من ترك أوقاتهم للاستخدام المفرط للأجهزة الإلكترونية أو الأنشطة غير الهادفة.

وقالت إن البرامج الصيفية أصبحت تتجاوز مفهوم الترفيه، لتتحول إلى أدوات تربوية تساعد الأطفال والشباب على اكتشاف مواهبهم، وتعزيز ثقتهم بأنفسهم، واكتساب خبرات عملية يمكن أن تسهم في تحديد ميولهم المستقبلية.

وأضافت أن تنوع البرامج بين المجالات التقنية والثقافية والرياضية والمهنية يمنح الأبناء فرصة اختيار المجالات التي تتناسب مع اهتماماتهم وقدراتهم، كما يعزز مهارات التواصل والعمل الجماعي وتحمل المسؤولية والانضباط.

وأكدت أن الاستثمار في أوقات فراغ الأبناء هو استثمار في مستقبلهم، مشيرة إلى أن التعاون بين الأسرة والمؤسسات المجتمعية يمثل عنصراً أساسياً لإنجاح البرامج الصيفية وتحقيق أهدافها التربوية.

توازن نفسي

وقالت الدكتورة ميساء العبدالله، الاختصاصية النفسية، إن الإجازة الصيفية تمثل فرصة لإعادة التوازن النفسي للأطفال بعد عام دراسي طويل، إلا أن تحقيق ذلك يتطلب برنامجاً متوازناً يجمع بين الراحة واللعب والأنشطة المفيدة.

وأوضحت أن مشاركة الطفل في أنشطة متنوعة، إلى جانب قضاء وقت نوعي مع أسرته، ينعكس إيجاباً على صحته النفسية، ويساعد على خفض التوتر وتعزيز الشعور بالأمان والانتماء، كما يمنحه فرصة للتعبير عن نفسه واكتشاف قدراته في بيئة داعمة.

وأضافت أن حاجة الطفل خلال الإجازة لا تتمثل في كثرة الأنشطة، بل في نوعية الوقت الذي يقضيه مع أسرته، مؤكدة أن الحوار واللعب المشترك وتشجيع الطفل على ممارسة هواياته عوامل تسهم في رفع ثقته بنفسه وتعزيز استقراره النفسي.

تفاصيل يومية

وأكد الدكتور محمد مصطفى، استشاري نفسي وتربوي، أن نجاح الإجازة الصيفية لا يرتبط بكثرة السفر أو ارتفاع تكلفة البرامج، وإنما بقدرة الأسرة على تخصيص وقت حقيقي للأبناء بعيداً عن ضغوط الحياة اليومية.

وقال إن الأطفال لا يتذكرون قيمة الهدايا بقدر ما يتذكرون اللحظات التي عاشوها مع والديهم، موضحاً أن ساعات قليلة من الاهتمام الحقيقي قد تترك أثراً أكبر من أنشطة كثيرة تفتقد التواصل الأسري.

وأضاف أن الأسرة يمكنها إعداد برنامج أسبوعي بسيط يشارك الجميع في وضعه، يتضمن تناول وجبة يومية على مائدة واحدة بعيداً عن الهواتف، أو مشاهدة فيلم عائلي، أو ممارسة الألعاب الجماعية، أو إعداد وجبة منزلية بمشاركة الأبناء، مشيراً إلى أن هذه التفاصيل تعزز الحوار وتشعر الطفل بالاهتمام والاحتواء.

وأشار إلى أن الإجازة فرصة لإعادة بناء جسور التواصل داخل الأسرة، والاستماع إلى اهتمامات الأبناء وأفكارهم، وتشجيعهم على ممارسة الهوايات، مؤكداً أن الأطفال الذين يعيشون في بيئة أسرية دافئة يكونون أكثر قدرة على التعامل مع الضغوط وبناء علاقات اجتماعية إيجابية.

جودة الوقت

وترى التربوية رانيا محمد أن نجاح الإجازة لا يرتبط بحجم الإنفاق، وإنما بجودة الوقت الذي تقضيه الأسرة معاً، موضحة أن جلسة عائلية في المنزل، أو نزهة بسيطة، أو إعداد وجبة يشارك فيها الجميع، قد تكون أكثر قيمة في ذاكرة الطفل من رحلة مكلفة لا يصاحبها تواصل حقيقي.

وأكدت أن الأبناء لا يحتاجون إلى جدول مزدحم طول الصيف بقدر حاجتهم إلى الشعور بأنهم يمثلون أولوية في حياة والديهم، وأن هناك من يستمع إليهم ويشاركهم تفاصيل يومهم وأفكارهم.

محطة مهمة

وقال الدكتور محمد اسبيعان الطنيجي، الواعظ الديني في وزارة الداخلية، إن الإجازة الصيفية تمثل فرصة ثمينة لبناء الإنسان والأسرة، وليست مجرد فترة للراحة والترفيه، بل محطة لتعزيز الجوانب الإيمانية والأسرية والأخلاقية والاجتماعية في حياة الأبناء.

وأضاف أن هذه الفترة يمكن استثمارها في اصطحاب الأبناء إلى المساجد، وحضور الدروس والمحاضرات التي تنظمها الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف والزكاة، إلى جانب المشاركة في البرامج والأنشطة الصيفية التي تنظمها المؤسسات المختلفة، ومن بينها برنامج «مساجدنا حصن وإيمان» الذي يتضمن حلقات القرآن الكريم والدروس الشرعية والمسابقات الأسرية.

وأوضح أن الإجازة فرصة لتعزيز الروابط الأسرية من خلال الحوار، والرحلات العائلية، ومشاركة الأبناء اهتماماتهم، وغرس قيم الاحترام وتحمل المسؤولية وحسن استثمار الوقت، فضلاً عن تعزيز صلة الرحم والمشاركة في المبادرات المجتمعية والتطوعية.

وأكد أن حسن استثمار الإجازة الصيفية يمثل استثماراً حقيقياً في بناء جيل متوازن يجمع بين العلم والأخلاق والانتماء والمسؤولية.