لا تبدأ ملامح العنف الأسري بحوادث صريحة، بل تتشكل تدريجياً من تفاصيل يومية تبدو عابرة، نقاشات تتكرر، نبرة صوت ترتفع، وضغوط تتراكم بصمت داخل البيت، قبل أن تتحول في بعض الحالات إلى توتر يخل بتوازن الأسرة، ويترك أثره الأعمق في الطفل، الذي غالباً ما يكون الحلقة الأضعف في هذه المعادلة.

وتكشف وقائع تنظرها المحاكم أن بعض الخلافات الزوجية لم تعد تقف عند حدود الحوار، بل تتجاوزها أحياناً إلى مشادات لفظية وسلوكيات غير محسوبة، نتيجة غياب مهارات التواصل وفقدان السيطرة، ما يستدعي تدخلاً مبكراً يعيد ضبط الإيقاع الأسري قبل اتساع الفجوة.

تشكيل الوعي

تؤكد الدكتورة أسماء حسوني، مدير المكتب الإعلامي لمجلس الشارقة للأسرة والمجتمع، أن تناول قضايا العنف الأسري، لا سيما في «عام الأسرة»، يتطلب خطاباً إعلامياً مسؤولاً، يوازن بين نقل الواقع وبناء الوعي المجتمعي. وأوضحت أن هذه الحالات، رغم فرديتها، تستدعي طرحاً مهنياً دقيقاً يضعها في سياقها الصحيح بعيداً عن التهويل أو الإثارة، محذّرة من أن التناول غير المنضبط قد يخلق انطباعات مضللة تمس الإحساس بالأمان داخل الأسرة.

وأضافت أن الإعلام بات شريكاً رئيسياً في الوقاية، من خلال توجيه النقاش نحو الحلول، وتسليط الضوء على النماذج الإيجابية، وتعزيز ثقافة الحوار والتفاهم داخل الأسرة.

قلق وانطواء

ومن زاوية إنسانية، أكد خالد الكثيري، مدير إدارة حماية الطفل، أن ما يحدث داخل الأسرة لا يمر دون أثر، حتى وإن بدا صامتاً، مشيراً إلى أن التعرض المتكرر لأجواء التوتر قد ينعكس على الطفل في صورة قلق أو انطواء أو سلوك عدواني.

وأوضح أن حماية الطفل تبدأ من تفاصيل بسيطة، مثل أسلوب الحوار بين الوالدين ونبرة الصوت، إلى جانب إبعاده عن النزاعات، وتعزيز شعوره بالأمان والانتماء، لافتاً إلى أن الاستثمار في الصحة النفسية للطفل هو استثمار في استقرار المجتمع.

رؤية استباقية

وعلى الصعيد القانوني، أكدت المحامية علياء العامري أن التشريع الإماراتي تعامل مع العنف الأسري برؤية استباقية، لا تكتفي برد الفعل، بل تسعى إلى الوقاية والحماية.

وأوضحت أن قانون الحماية من العنف الأسري اعتمد تعريفاً شاملاً يشمل الأذى الجسدي والنفسي والاقتصادي، إلى جانب «أوامر الحماية» التي تصدر بشكل فوري من النيابة العامة، وتلزم المعتدي بعدم التعرّض للضحية، مع فرض عقوبات رادعة في حال المخالفة.

وأشارت إلى أن هذه المنظومة القانونية عززت ثقة الضحايا وشجعتهم على الإبلاغ ضمن بيئة تحفظ الخصوصية والكرامة.

مقدمة الحلول

من جانبه، أكد المحامي أحمد الزرعوني أن قوة التشريع الإماراتي تكمن في فلسفته التي تضع الإصلاح الأسري في مقدمة الحلول، من خلال مراكز التوجيه الأسري التي أصبحت مساراً أساسياً في معالجة الخلافات.

وأوضح أن هذه المراكز توفر بيئة آمنة للحوار بإشراف مختصين، حيث تكتسب الاتفاقيات المبرمة قوة قانونية، ما يسهم في تسريع الحلول وتجنب إطالة أمد النزاعات القضائية.

وأشار إلى أن التكامل بين قانون «وديمة» لحماية الطفل وقانون الحماية من العنف الأسري يعزز التدخل المبكر، ويحد من تفاقم المشكلات، إلى جانب إدراج برامج تأهيلية تسهم في تعديل السلوك وإعادة دمج الأفراد في بيئة أسرية صحية.

مودة ورحمة

بدوره، شدد فضيلة الشيخ الدكتور سالم الدوبي، مدير إدارة التوجيه الديني بدائرة الشؤون الإسلامية بالشارقة، على أن استقرار الأسرة لا يتحقق بالتشريعات وحدها، بل بمنظومة قيمية قائمة على المودة والرحمة.

وأشار إلى أهمية الوعي في التعامل مع بعض المضامين الإعلامية التي قد تقدم نماذج غير واقعية للعلاقات الأسرية، مؤكداً دور المساجد في تعزيز ثقافة التسامح والحوار، إلى جانب جهود الإصلاح الأسري بالتكامل مع الجهات المختصة.

ظاهرة معقدة

وفي السياق ذاته، أوضحت أميرة أحمد، رئيس قسم الاستشارات النفسية والأسرية بمؤسسة الشارقة للتنمية الأسرية، أن العنف الأسري ظاهرة معقدة تتداخل فيها عوامل نفسية واجتماعية واقتصادية، من أبرزها ضعف مهارات التواصل، والضغوط المعيشية، والتنشئة الخاطئة، إضافة إلى بعض الاضطرابات النفسية غير المعالجة.

وأشارت إلى أن تداعيات العنف لا تقتصر على اللحظة، بل تمتد لتشمل آثاراً نفسية عميقة كالقلق والاكتئاب، واضطرابات سلوكية لدى الأطفال، إلى جانب تفكك الروابط الأسرية، ما قد يؤدي إلى إعادة إنتاج العنف عبر الأجيال.

وأكدت أن التوعية تمثل حجر الأساس في الوقاية، من خلال نشر ثقافة الحوار، وتصحيح المفاهيم الخاطئة، وتمكين الأفراد من طلب المساعدة، وتعزيز دور المؤسسات التعليمية والإعلامية في ترسيخ القيم الإيجابية.